قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٥ - باب تفضيل الأخبار و بيان طريق الإرشاد و ذكر الرخصة و السعة في النقل و الرواية
عليه لباسا أو سمع منه كلاما يجرحه عند الفقهاء علّله به بعض القرّاء من الرواة و أن بعض من يضعفه أصحاب الحديث هو من علماء الآخرة و من أهل المعرفة باللّه تعالى و له في الرواية و الحديث مذاهب غير طريقة بعض أصحاب الحديث فيعمل في روايته بمذهبه فلا يكون أصحاب الحديث حجة عليه إلا كان هو حجة عليهم إذ ليس هو عند أصحابه من العلماء دون أصحاب الحديث ممن ضعفه إذ رأى غير رأي مذهبه. و قال بعض العلماء: الحديث و إن كان شهادة فقد وسع فيه بحسن الظن كما جوّز فيه قبول شهادة واحد أي للضرورة كشهادة القابلة و نحوها. و روينا معناه عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: و الحديث إذا لم ينافه كتاب أو سنّة و إن لم يشهدا له إن لم يخرج تأويله عن إجماع الأمة فإنه يوجب القبول و العمل بقوله صلى الله عليه و سلّم كيف و قد قيل: و الحديث الضعيف عندي آثر من الرأي و القياس و هذا مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه. و الحديث إذا تداوله عصران أو رواه القرون الثلاثة أو دار في العصر الواحد فلم ينكره علماؤه و كان مشهورا لا ينكره الطبقة من المسلمين احتمل و وقع به حجة و إن كان في سنده قول إلا ما خالف الكتاب و السنن الصحيحة أو إجماع الأمة أو ظهر كذب ناقليه بشهادة الصادقين من الأئمة أو قال وكيع بن الجراح: ما ينبغي لأحد أن يقول هذا الحديث باطل لأن الحديث أكثر من ذلك. و قال أبو داود: قال أبو زرعة الرازي: قبض رسول الله صلّى الله عليه و سلّم عن عشرين ألف عين تطرف. كل واحد قد روى عنه و لو حديثا و لو كلمة أو رواية فحديث رسول الله صلّى الله عليه و سلّم أكثر من أن يحصى و ذكر رجل عند الزهري حديثا فقال: ما سمعنا بهذا فقال: أكل حديث رسول الله صلّى الله عليه و سلّم سمعت؟ قال: لا. قال: فثلثاه؟ قال: لا، قال: فنصفه فسكت و قال: عدّ هذا من النصف الذي لم تسمعه. و قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: كان يزيد بن هارون يكتب عن الرجل و هو يعلم أنه ضعيف و كان له ذكاء و علم بالحديث و قال إسحاق بن راهويه: قيل للإمام أحمد بن حنبل: هذه الفوائد التي فيها المناكير ترى أن نكتب الجيد منها. فقال: المنكر أبدا منكر قيل له: فالضعفاء؟ قال: قد يحتاج إليه في وقت كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأسا. و قال أبو بكر المروزي عنه: إن الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه و مما يدلك على مذهبه في التوسعة أنه أخرج حديثه كله في المسند المأثور عنه الذي رويناه عن أشياخنا عن ابنه عبد الله عنه و لم يعتبر الصحيح منه و فيه أحاديث كثيرة يعلم الثقات أنها ضعيفة و هو أعلم بضعفها منهم ثم أدخلها في مسنده لأنه أراد تخريج المسند و لم يقصد تصحيح السند فاستجاز رواياتها كما سمعها و قد كان قطع أن يحدث الناس في سنة ثمان