قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩٢ - ذكر ما أحدث الناس من القول و الفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف
الكتاب باسم المكتوب إليه و إنما السنة أن يبتدئ بنفسه فيكتب من فلان إلى فلان. قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: غبت غيبة فكتبت إلى أبي فابتدأت باسمه فكتبت إليّ يا بني إذا كتبت إليّ فابدأ باسمك في الكتاب فإن ابتدأت باسمي قبل اسمك لا قرأت لك كتابا و لا رددت إليك جوابا. و كتب العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى رسول الله صلّى الله عليه و سلّم فبدأ بنفسه و كتب من العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: و يقال أوّل من أحدثه زياد فعابه العلماء عليه و عدوّه من إحداث بن أمية. و قد بقي سنة هذا في كتب الخلفاء و الأمراء إلى اليوم على نحو ما مضى فهم يقدمون أسماءهم في كتبهم و من الأحداث قول الرجل إذا جاء منزل أخيه يا غلام يا جارية فيه مخالفة لأمر الله عزّ و جلّ و أمر رسوله عليه السلام. قال الله عزّ و جلّ: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [النور: ٢٧] قال أهل التفسير: الاستئناس الدق أو التنحنح أو الحركة حتى يؤذن بذلك أن وراءها إنسانا و قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: إذا جاء أحدكم منزل أخيه فليسلم ثلاثا فإن أذن له فليدخل و إلا فليرجع و كان السلف يقرع أحدهم باب أخيه ثم يسلم ثلاثا يقف بعد كل تسليمة هنيهة فإن أذن له دخل و قد لا يحب صاحب المنزل أن تدخل عليه في ذلك الوقت لسبب عذر له فيقول: و عليكم السلام و رحمة الله ارجع عافاك الله فإني على شغل فيرجع عنه غير كاره لرجوعه و لا يؤثر ذلك عليه في نفسه. و قد يكون قوله ارجع أحب إليه لأنه أفضل له رجاء الإجابة و التزكية لقوله تعالى: وَ إِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ [النور: ٢٨]. فربما رجع في اليوم مرتين أو ثلاثا بعد رد صاحبه له و هو يعود لأن ذلك لم يؤثر في قلبه شيئا و هذا لو فعل ببعض الناس من أهل عصرنا هذا لكرهه. و لعل أن لا يعود يومه ذلك فأمّا العلماء فقد كان بعض الناس لا يستأذن عليهم إلا لمهم لا بدّ منه بل كانوا يقعدون على أبوابهم و في مساجدهم ينتظرون خروجهم لأوقات الصلاة إجلالا للعلم و هيبة للعلماء. و حدثونا عن أبي عبيد قال: ما قرعت على عالم قط بابه كنت أجيء إلى منزله فأقعد على بابه انتظر خروجه من قبل نفسه أتأوّل قول الله عزّ و جلّ: وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [الحجرات: ٥]. و قد روينا مثل هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما في موضعه من العلم و الشرف أن المار كان يمرّ به و هو قائم على باب منزل الرجل من الأنصار تسفي عليها الرياح فيقول: ما يجلسك هاهنا يا ابن عم رسول الله؟ فيقول: انتظر خروج صاحب المنزل. فيخرج الرجل فيقول ابن عم رسول الله: لو أرسلت إليّ لجئتك فيقول: لا أنا كنت أحق أن آتيك. فيسأله عما يريد من حديث بلغه أنه يرويه عن