قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٣٠ - الفصل الحادي و العشرون فيه كتاب الجمعة و ذكر هيئاتها و آدابها و ذكر ما يستحب للمريد في يوم الجمعة و ليلتها
المهديين فأما هؤلاء فكلما بعدت عنهم و لم تنظر إليهم كان أقرب لك إلى الله عزّ و جلّ. و قد روينا عن أبي الدرداء فضيلة في الصف المؤخر قال سعيد بن عامر صليت إلى جنبه فجعل يتأخر في الصفوف حتى كنا في آخر صف فلما صلينا قلت له أ ليس يقال خير الصفوف أوّلها قال: نعم إلا أن هذه أمة مرحومة منظور إليها من بين الأمم و إن الله عز و جل إذا نظر إلى عبد منهم في الصلاة غفر لمن وراءه من الناس فإنما تأخرت رجاء أن تغفر لي بواحد منهم ينظر الله إليه و قد رفعه بعض الرواة أن أبا الدرداء سمع النبي صلّى الله عليه و سلّم: يقول ذلك: و الصدقة مستحبة مفضلة يوم الجمعة خاصة فإنها تضاعف إلا على من سأل و الإمام يخطب و كان يتكلم في كلام الإمام فهذا مكروه قال صالح بن أحمد: سأل مسكين يوم الجمعة و الإمام يخطب و كان بجنب أبي فأعطاه رجل قطعة و لم يعرفه ليناوله إياها فلم يأخذها منه أبي و قال ابن مسعود: إذا سأل الرجل في المسجد فقد استحق أن لا يعطى و إذا سأل على القرآن فلا تعطوه. و من العلماء من كره الصدقة على سؤال الجامع الذين يتخطون رقاب الناس إلا أن يسأل قائما من غير أن يتخطّى المسلمين أو قاعدا في مكان. و روينا عن كعب الأحبار: من شهد الجمعة ثم انصرف يتصدق بشيئين مختلفين من الصدقة ثم رجع فركع ركعتين يتم ركوعهما و خشوعهما و سجودهما ثم يقول: اللّهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم و باسمك الذي لا إله إلّا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم لم يسأل الله عزّ و جلّ شيئا إلا أعطاه. و قد روينا عن بعض السلف على غير هذا الوصف قال: من أطعم مسكينا في يوم الجمعة ثم غدا و ابتكر و لم يؤذ أحدا ثم قال حين يسلم الإمام اللّهم إني أسألك ببسم الله الرحمن الرحيم الحي القيوم أن تغفر لي و ترحمني و أن تعافيني من النار ثم دعا بما بدا له استجيب له و إن سمع قراءة الإمام لم يقرأ في صلاته إلا سورة الحمد لا غير و إن لم يسمع قراءته قرأ سورة مع الحمد إن أحب فأما من سمع قراءة الإمام و قرأ معه سورة الجمعة أو غيرها من السور فقد خالف الأمة و عصى رسول الله صلّى الله عليه و سلّم و لا أعلمه مذهب أحد من المسلمين فإذا سلم من صلاة الجمعة قرأ و هو ثان رجله قبل أن يتكلم الحمد سبع مرات و قل هو الله أحد سبعا و المعوذتين سبعا سبعا. ففي ذلك أثر عن بعض السلف أن من فعله عصم من الجمعة إلى الجمعة و كان ذلك حرزا له من الشيطان و استحب له أن يقول بعد صلاة الجمعة: اللّهم يا غني، يا حميد، يا مبدئ، يا معيد، يا رحيم، يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك و بفضلك عمن سواك. يقال: من داوم على هذا الدعاء أغناه الله عزّ و جلّ عن خلقه و رزقه من حيث لا يحتسب، و قد روي ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه و سلّم كان يصلّي بعد الجمعة ركعتين. و روى أبو هريرة أنه كان يصلّي