قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٣ - الفصل التاسع و العشرون فيه ذكر أهل المقامات من المقربين و تمييز أهل الغفلة المبعدين
من ماله ملكا كان الجواد عوضا له من ماله و كان الجبار عوضا له من نفسه إلا أن الله سبحانه لم يذكر إياه في العوض من النفس و ذكر الجنة في البدل عن المال لئلا يدخل تحت حكم و هو الحاكم وكيلا ينضم إلى عوض فيكون شفعا و هو الفرد فأخفى نفسه و هو الدليل و ذكر خلقه و هو إليه السبيل فهذا فهم أوليائه عنه. و هذه علامة المحبة الخالصة التي لا شرك فيها لسواه و لا دخل عليها من غيره إياه و لا يصلح أيضا أن يكشف عن وصف هؤلاء المحبين لأن حالهم يجلّ عن الوصف و مقامهم يجاوز علوم العقل و الوقت. إلا أن الله تعالى أحكم ذلك بقوله عزّ و جلّ: وَ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١] و بقوله: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب: ٤٤] مع قوله: وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ. نُزُلًا من غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت: ٣١- ٣٢] و قوله: فَأَمَّا إِنْ كانَ من الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ [الواقعة: ٨٨- ٨٩]. و أحكم ذلك بقوله تعالى: وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٢٧] و بقوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ الله وَ الله بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٦٣]. ففيه وصف لأهل الولايات و الحب و مدح لأهل الدرجات و القرب بقوله: بصير بما يعملون أي لذلك جعلهم درجات عنده. و لقوله: وليهم بما كانوا يعملون بما تولاهم به قربهم منه و فيه أيضا ذم المنافقين على القراءة الأخرى و الله بصير بما تعلمون فقد أبصر أعمالكم أنتم فلم يجعلكم مثلهم إذ لم تكن أعمالكم كأعمالهم فهذا كما قال: فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ١٨]. ثم قال في وصف قلوبنا: وَ الله يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ وَ كانَ الله عَلِيماً حَلِيماً [الأحزاب: ٥١]. ثم قال في فصل من القول: ليس بهزل سوّى بين هؤلاء و هؤلاء: إِنْ يَعْلَمِ الله في قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً ثم قال في ضد أولئك كلاما فاصلا لمفصل مفسر للمجمل: وَ لَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: ٢٣]. أي ليس لهم فيه شيء و لا لهم منه نصيب لأنه لم يجعل عندهم مكانا لخير فيوجد فيه خيرا فكان هذا فصل الخطاب و بلاغا لأولي الألباب شهد لهم بذلك إذ قال: أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ الله لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الرعد: ٣١]. فأيس المؤمنون من هداية هؤلاء فلم يرجو منهم مجاهدة فيه أبدا لأن الله تعالى لا يهدي من يضلّ و قيل ييأس لغة بمعنى يعلم أي فقد علموا مما أعلمهم الله تعالى. و يشهد لهذا المعنى الحرف الآخر لأنه بمعناه أ فلم يتبين الذين آمنوا فبين لهم بما بين المبين فسلموا له و أقبلوا عليه و أعرضوا عنهم فسلموا منهم فكذلك قال الولي الحميد.