قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٢ - الفصل التاسع و العشرون فيه ذكر أهل المقامات من المقربين و تمييز أهل الغفلة المبعدين
[طه: ٧٥] فهو العلي و أحباؤه الأعلون و إنما كانوا أعلين لأن الأعلى معهم و كنا نحن الأذنين لأن الدنيا عندنا. قال الله سبحانه في وصف من أعرض عن ذكره و لم يرد إلا الحياة الدنيا إذا أمر الحبيب بالإعراض عنه لأنه طلب الأدنى عاجلا أو سوّف بالمغفرة آجلا لقوّة جهله و ضعف يقينه فقال تعالى: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا [الأعراف: ١٦٩] و قال: فَأَعْرِضْ عَنْ من تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا [النجم: ٢٩]. و قال في وصف الصادقين المؤمنين: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣]. و قال في نعت غيرهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [الصف: ٢]. كبر مقتا عند الله فشتان بين من وصف بصدق العهد و بين من ذكر بالخلف و عرض للمقت. و قال في وصف طائفة: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً من الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠]. فخص أولياءه بترك أتباعه و أدخل بعض المؤمنين في تصديق ظنه و اتباعه إلا فريقا فهم الصديقون و الشهداء و الصالحون و حسن أولئك رفيقا و هم المتوكلون المؤمنون حقا الذين قال إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا و على ربهم يتوكلون و ليس من باع ماله و نفسه محبة لمولاه كمن لم يسأله مولاه دون نفسه لئلا يحفيه فيخرج ضغنه عليه كما قال لطائفة من المؤمنين: يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ [محمد: ٣٦]. إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا و يخرج أضغانكم الأحفاء الاستقصاء أي سألكم سأل الجملة كلها و أحب منكم الزهد في نفوسكم بعدها، و الأضغان جمع ضغن و هو الحقد تقول: فلستم في مكان سؤال إذ لا يكون البخيل زاهدا لأن أوّل الزهد الجود. فمن لم يجد لم يزهد و من لم يزهد في الدنيا لم يحبه المولى لأنه محب لما يبغض و مريد لما لا يحب فلم يعامل مولاه بأخلاقه و لم يوافقه في مرضاته فباعده و حجبه عن مشاهدة أوصافه كما قال تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ الله يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الأنفال: ٦٧]. و كما قال الرسول صلّى الله عليه و سلم: المبلغ عن المآل إذا أردت أن يحبك الله فازهد في الدنيا و لا تقدر أن تصف حشو قلوب هذه الطائفة من المؤمنين الذين وصفهم المؤمن أن لو سألهم أموالهم ظهرت عليهم أضغانهم لأنهم من الله في اغترار بما ألبسهم من الإظهار فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيراً إلا أن الله تعالى لا يسأل من يحبه إكراماً له ممن يعلم أنه يسارع إليه بجملة ما سأله لأنه كريم جواد لا يكبر عنده شيء إن سأل سأل الكلية و هو المال و النفس إلا أنه لا يسأل إلا من خلقه بخلق من أخلاقه فمتى لم يكن على العبد سواه شيء سأله محبوبه كل شيء و متى عظم في قلبه العرض الفاني و هو ضغين لم يسأله شيء فإذا لم يبق للعبد في نفسه نفسا و لا