قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦٨ - شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين
و قد قال الله تعالى أصدق القائلين و أحسن الواصفين: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: ٣٤]. فتمّت النعمة بوصفيه اللذين هو لهما أهل من المغفرة و الرحمة ثم قال أيضا في مثله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] فكان أعظم للنعمة و أوسع في الكرم و المنّة على وصفي الإنسان اللذين هو أهل لهما من الظلم و الكفر. فهو سبحانه و تعالى أهل التقوى و أهل المغفرة و العبد أهل لما وصفه به مولاه عزّ و جلّ إلى أن يجود عليه بقديم ما به تولاه فبنعمته أطاعه العاملون، و من نعمته جازاهم و بنعمته عصاه الجاهلون، و من نعمته ستر و حلم عنهم، و من النعم إظهار الجميل و ستر القبيح فلا ندري أي النعمتين أعظم جميل ما أظهر أو قبيح ما ستر. و قد يمدح الله تعالى بالوصفين معا في الدعاء المأثور: يا من أظهر الجميل و ستر القبيح. و من النعمة الصحة و الفراغ هما أوّل نعيم الدنيا و أصول أعمال الآخرة و بهما تكون المغابنات كما قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة و الفراغ. و قال الفضيل بن عياض: عليكم بمداومة الشكر على النّعم فقلّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم. و قال بعض السلف: النّعم وحشية فقيدوها بالشكر. و قد روي في خبر: ما عظمت نعمة الله تعالى على عبد إلّا كثرت حوائج الناس إليه. فمن تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال. و قد قال الله تعالى: إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١] قيل: لا يغير نعمه عليهم حتى يغيّروها بتضييع الشكر فيعاقبهم بالتغيير و الوجه الآخر لا يغير ما بهم من عقوبة حتى يغيّروا معاصيهم بالتوبة. فذكر بذلك السبب الأوّل من حكمه ثم ذكر السبب الثاني من حكمته و هو مسبّب الأسباب للحكمة و المشيئة و يقال: إن تحت كل شعرة من جسم العبد نعمة، و بكل عرق في جسده نعمتان في تسكينه و تحريكه، و في كل عظم أربع نعم، و بكل مفصل سبع نعم، و في جسم الإنسان ثلاثمائة و ستون مفصلا، و مثل ذلك من العظام، و في كل طرفة نعمتان، و بكل نفس نعمتان، و في كل دقيقة تأتي عليه من عمره نعم لا تحصى، و الدقيقة جزء من اثني عشر جزءا من شعيرة، و الشعيرة جزء من اثني عشر جزءا من ساعة، و الأنفاس أربعة و عشرون ألف نفس في اليوم و الليلة. و في أخبار موسى عليه السلام: يا ربّ كيف أشكرك و لك في كل شعرة من جسدي نعمتان إن لينت أصلها و إن طمنت رأسها. و قد روينا في الأثر: من لم يعرف نعم الله تعالى عليه إلا في مطعمه و مشربه فقد قلّ علمه و حضر عذابه، هذا مع سوابغ العوافي و الكفايات و الوقايات. و يقال: إن في باطن