قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٨ - المقام الثالث من اليقين
قوله صلّى الله عليه و سلم: أعوذ بك من علم لا ينفع فسماه علما إذ له معلوم و أن أصحابه علماء عند أصحابهم ثم رفع المنفعة عنهم و استعاذ باللّه منه. و قد روينا في خبر أن الشيطان ربما سبقكم بالعلم. قلنا: يا رسول الله كيف يسبقنا بالعلم؟ قال: يقول اطلب العلم و لا تعمل حتى تعلم فلا يزال في العلم قائلا و للعمل مسوفا حتى يموت و ما عمل. ففي هذا الخبر دليلان، أحدهما أنه أريد به طلب فضول العلم الذي لا نفع له في الآخرة و لا قربة في طلبه من الله و الثاني أن العلم المفضل المندوب إليه إنما هو الذي يقتضي العمل لأن النبي صلّى الله عليه و سلم لا يأمر بعمل بغير علم و لا يكره طلب علم للعمل به ألا تسمع إلى قوله صلّى الله عليه و سلم في الخبر الآخر: فضل من علم أحب إليّ من فضل من عمل و خير دينكم الورع. ذكر فضل علم المعرفة و اليقين على سائر العلوم و كشف طريق علماء السلف الصالح من علماء الدنيا و الآخرة قبض رسول الله صلّى الله عليه و سلم عن ألوف من صحابته كلهم علماء باللّه فقهاء عن الله تعالى أهل رضوان من الله تعالى و لم ينصب نفسه إلى الفتيا و لا حملت عنه الأحكام و القضايا إلا بضعة عشر رجلا. و كان ابن عمر إذا سئل عن الفتيا قال: اذهب إلى الأمير الذي تقلّد أمور الناس فضعها في عنقه. و روى ذلك عن أنس ثم جماعة من الصحابة و التابعين بإحسان. و كان ابن مسعود يقول: إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون. و كان ابن عمر رضي الله عنهما يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن مسألة و يسكت عن تسعة. و كان ابن عباس على ضد ذلك كان يسئل عن عشرة فيجيب في تسعة و يسكت عن واحدة. و كان من الفقهاء من يقول لا أدري أكثر من أن تقول أدري. منهم: سفيان الثوري و مالك بن أنس و أحمد بن حنبل و فضيل بن عياض و بشر بن الحرث رضي الله عنهم، و كانوا في مجالسهم يجيبون عن بعض و يسكتون عن بعض و لم يكونوا يجيبون في كل ما يسألون عنه. و روينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت في هذا المسجد مائة و عشرين من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلم ما منهم من أحد يسأل عن حديث أو فتيا إلا ودّ أن أخاه كفاه ذلك. و في لفظ آخر كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر و يردها الآخر للآخر حتى يرجع إلى الذي سئل عنها أول مرة. و روي عن ابن مسعود و ابن عمر و غيرهما من التابعين. و قد روينا مسند ألا يفتي الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور أو متكلّف. تفصيل ذلك