قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٩ - المقام الثالث من اليقين
أن الأمير هو الذي يتكلم في علم الفتيا و الأحكام كذلك كان الأمراء يسئلون و يفتون و المأمور الذي يأمره الأمير بذلك فيقيمه مقامه و يستعين به لشغله بالرعية و المتكلف هو القاصّ الذي يتكلم في القصص السالفة و يقص أخبار من مضى لأن ذلك لا يحتاج إليه في الحال و لم يندب إليه من العلوم و قد تدخله الزيادة و النقصان و الاختلاف. فلذلك كره القصص فصار القاصّ من المتكلفين. و قد جاء في لفظ الحديث الآخر بتأويل معناه: لا يتكلم على الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور أو مراء فكان قولهم: أمير هو المفتي في الأقضية و الأحكام كما ذكرنا آنفا و معنى مأمور هو العالم باللّه عزّ و جلّ الزاهد في الدنيا يتكلم في علم الإيمان و اليقين و في علم القرآن و الحث على مصالح أعمال الدين بأمر من الله تعالى أذن الله تعالى له في ذلك بقوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ الله مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]. و قد كان أبو هريرة و غيره يقولون: لو لا آيتان في كتاب الله تعالى ما حدثتكم بحديث أبدا ثم يتلو هذه و الآية التي قبلها و يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: ما أتى الله تعالى عالما علما إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينه و لا يكتمه. و أما المرائي فهو المتكلم في علوم الدنيا الناطق عن الهوى يستميل بذلك قلوب الناس و يجتلب بكلامه المزيد من الدنيا و الرفعة فيها. و قال بعض العلماء: كان الصحابة و التابعون بإحسان يتدافعون أربعة أشياء: الأمانة و الوديعة و الوصية و الفتيا. و قال بعضهم: كان أسرعهم إلى الفتيا أقلهم علما و أشدهم دفعا لها و توقفا عنها أورعهم. و قال بعض السلف: كان شغل الصحابة و التابعين بإحسان في خمسة أشياء: قراءة القرآن، و عمارة المساجد، و ذكر الله تعالى، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر. و في الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ثلاثا: أمر بمعروف، أو نهي عن منكر أو ذكر الله تعالى. و قال الله أصدق القائلين: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ من نَجْواهُمْ إِلَّا من أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء: ١١٤]. و رأى بعض أصحاب الحديث بعض فقهاء الكوفة من أهل الرأي بعد موته في المنام قال: فقلت له ما فعلت فيما كنت عليه من الفتيا و الرأي قال: فكره وجهه و أعرض عني و قال ما وجدناه شيئا و ما حمدنا عاقبته. و حدثونا عن علي بن نصر بن علي الجهضمي عن أبيه قال: رأيت الخليل بن أحمد في النوم بعد موته فقلت: ما أجد أعقل من الخليل لأسألنه فقال لي: أ رأيت ما كنا فيه؟ فإني لم أر شيئا ما رأيت أنفع من قول: سبحان الله، و الحمد للَّه، و لا إله إلا الله و الله، أكبر. و حدثونا عن بعض الأشياخ قال: رأيت بعض العلماء في المنام فقلت له: ما فعلت