قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٤٠ - المقام الثالث من اليقين
تلك العلوم التي كنا نجادل فيها و نناظر عليها قال: فبسط يده و نفخ فيها و قال طاحت كلها هباء منثورا ما انتفعت إلا بركعتين حصلتا لي في جوف الليل و حدثت عن أبي داود السجستاني قال: كان بعض أصحابنا كثير الطلب للحديث حسن المعرفة به فمات فرأيته في المنام فقلت ما فعل الله بك فسكت فأعدت عليّه فسكت فقلت غفر الله لك قال: لا قلت لم؟ قال: الذنوب كثيرة و المناقشة دقيقة و لكن قد وعدت بخير و أنا أرجو خيرا. قلت: أي الأعمال وجدتها فيما هناك أفضل. قال: قراءة القرآن و الصلاة في جوف الليل. قلت: فأيما أفضل ما كنت تقرأ أو تقرئ؟ فقال: ما كنت أقرأ قلت: فكيف وجدت قولنا فلان ثقة و فلان ضعيف فقال: إن خلصت فيه النية لم يكن لك و لا عليك. و حدثت عن بعض الشيوخ قال: حدثني أحمد بن عمر الخاقاني قال: أريت في منامي كأني في طريق أمضي إذ صادفني رجل فأقبل عليّ و هو يقول: و إن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله فقلت له: لي تعني؟ فقال: لك و لذاك الذي خلفك. فالتفت فإذا سري رحمه الله فأعرضت عن الرجل و أقبلت على السري و قلت: هذا أستأذنا و مؤدبنا الذي كان يؤدبنا في الدنيا. ثم قلت له: يا أبا الحسن إنك قد صرت إلى الله تعالى فأخبرنا بأي عمل تقبله الله تعالى فأخذ بيدي ثم قال تعال فجئت أنا و هو إلى بنية مثل الكعبة فوقفنا إلى جانبها إذا أشرف علينا من البنية شخص فأضاء ذلك الموضع منه فأومأ سري إليه و أشالني نحوه و كان سري قصيرا و أنا أيضا قصير فمد ذلك الشخص الذي كان فوق البنية يده فأخذني فشالني إليه فلم أقدر أفتح عيني من أنوار كانت في ذلك المكان. ثم قال لي: قد سمعت كلامك مع الشيخ كل خلق في القرآن محمود تفعله و كل خلق في القرآن مذموم تنتهي عنه و حسبك هذا. و قد حدثونا عن سري السقطي قال: كان شاب يطلب علم الظاهر و يواظب عليه ثم ترك ذلك و انفرد و اشتغل بالعبادة فسألت عنه فإذا هو قد اعتزل الناس و قعد في بيته يتعبد فقلت له: قد كنت حريصا على الطلب لعلم الظاهر فما بالك انقطعت؟ قال: رأيت في النوم قائلا يقول لي: كم تضيع العلم ضيعك الله فقلت إني لأحفظه فقال: إن حفظ العلم العمل به فتركت الطلب و أقبلت على النظر فيه للعمل. و قد كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ليس العلم بكثرة الرواية و إنما العلم الخشية. و قال غيره من الفقهاء: إنما العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب. و كان الحسن البصري رضي الله عنه يقول: اعلموا ما شئتم أن تعملوا فو الله لا يؤجركم الله تعالى عليه حتى تعملوا فإن السفهاء همتهم الرواية و إن العلماء همتهم الرعاية.