قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٧ - الفصل الحادي و الثلاثون
تسمى علوما لأنها تكون معلومة و أربابها علماء بها إلا أن الشرع لم يرد بالأمر بمقتضاها و الأمة مجمعة أيضا أنه لم يرد بذلك علم الفتيا و القضاء و لا علم افتراق المذاهب و اختلاف الآراء و هذه تسمى علوما عند أهلها و بعضها فرض على الكفاية و كلها ساقطة عن الأعيان. و الخبر جاء بلفظ العموم بذكر الكلية و بمعنى الاسم فقال: طلب العلم فريضة ثم قال: على كل مسلم بعد قوله: اطلبوا العلم فكان هذا على الأعيان فكأنه على ما وقع عليه اسم العلم و معناه المعهود المعروف بإدخال التعريف عليه فأشير بالألف و اللام إليه فإذا بطلت هذه الوجوه صحّ أن قوله صلّى الله عليه و سلم: طلب العلم فريضة على كل مسلم أي طلب علم ما بني الإسلام عليه فافترض على المسلمين علمه فريضة بدليل قوله صلّى الله عليه و سلم للأعرابي حين سأله: أخبرني ما ذا افترض الله تعالى عليّ. و في لفظ آخر: أخبرنا بالذي أرسلك الله تعالى إلينا به. فأخبره بالشهادتين و الصلوات الخمس و الزكاة و صوم شهر رمضان و حج البيت. فقال: هل علي غيرها؟ فقال: لا إلا أن تطوع فقال: و الله لا أزيد عليه شيئا و لا أنقص منه شيئا فقال: أفلح و دخل الجنة إن صدق فكان علم هذه الخمس فريضة من حيث كان معلومه فريضة إذ لا عمل إلا بعلم. و قد قال عزّ و جلّ: إِلَّا من شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦]. و قال في مثله: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣]. و قال: هَلْ عِنْدَكُمْ من عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [الأنعام: ١٤٨]. و قال: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي من أَضَلَّ الله [الروم: ٢٩]. و قال تعالى: وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ من الله شَيْئاً [الجاثية: ١٨- ١٩]. و قال سبحانه و تعالى: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ الله وَ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [هود: ١٤]. و قال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: ٧]. فهذه الآية افترض الله فيها طلب العلم و ذلك الخبر الذي جاء في أبنية الإسلام الخمسة افترض رسول الله صلّى الله عليه و سلم فيه هذه الأعمال ثم قال مجملا: طلب العلم فريضة ثم وكده بقوله صلّى الله عليه و سلم على كل مسلم فكان تفسير ذلك و تفصيله أن علم هذه الخمس التي هي بنية الإسلام فرض لأجل فرضها. و قد روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم من طريق مرسل أنه مر برجل و الناس مجتمعون عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا رجل علامة فقال: بما ذا؟ قالوا بالشعر و الأنساب و أيام العرب. فقال: هذا علم لا يضرّ جهله. و في لفظ آخر: علم لا ينفع و جهل لا يضر. و روينا في الخبر: إن من العلم جهلا و إن من القول عيا. و في الخبر الآخر: قليل من التوفيق خير من كثير من العلم. و في خبر غريب: كل شيء يحتاج إلى العلم يحتاج إلى التوفيق و الخبر المشهور