قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٥٣ - بيان آخر من فضل الصبر
و قد قال الله تعالى: وَ من أَصْدَقُ من الله حَدِيثاً [النساء: ٨٧] و لكل وجهة هو موليها. و قال تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا [الإسراء: ٨٤]. قيل: أقصد و أقرب طريقا. و ظاهر الكتاب و السنّة يدلان على تفضيل الصبر لقوله تعالى: يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [القص ٥٤] فالشاكر يؤتى أجره مرة فأشبه مقام الصبر مقام الخوف و أشبه مقام الشكر مقام الرجاء. و قد قال الله تعالى: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [الرحمن: ٤٦]. و قد اتفق أهل المعرفة على تفضيل الخوف على الرجاء من حيث اتفقوا على فضل العلم على العمل. فالصبر حال من مقام الخوف فقرب حال الصابر في الفضل من مقامه و الشكر حال من مقام الرجاء كذلك يقرب حال الشاكر من مقامه و من السنة قوله صلّى الله عليه و سلم في الخبر الذي ذكرناه من قبل: من أقل ما أوتيتم اليقين و عزيمة الصبر و من أعطي حظه منهما لم يبال ما فاته و ذكر الحديث المتقدم فقرن الصبر باليقين الذي لا شيء أعزّ منه و لا أجلّ و ارتفاع الأعمال و علوّ اليقين به. و في مناجاة أيوب عليه السلام: إن الله سبحانه و تعالى أوحى إليه: يا أيوب إني آليت على نفسي لا نشرت للصابرين ديوان توبيخ و لا نظروا إلى حد الصراط و لا أروعهم نقص الميزان دارهم دار السلام. بيان آخر من تفضيل الصبر الصبر: حال البلاء، و الشكر: حال النعمة و البلاء أفضل لأنه على النفس أشق لقول الله تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠]. فالشاكر يوفي أجره بحساب لأن إنما تحقيق للوصف و نفي ما عداه. بيان آخر من فضل الصبر قد رفع علي كرّم الله وجهه الصبر على أربع مقامات اليقين و جعلها دعائمه التي بها يستبين و جعله فيه فوقها فقال في حديثه الطويل الذي وصف فيه شعب الإيمان: و الصبر على أربع دعائم: على الشوق، و الشفقة، و الزهد، و الترقب. فمن أشفق من النار رجع عن المحرّمات، و من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، و من ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. فجعل هذه المقامات أركان الصبر لأنها توجد عنه و تحتاج إليه في جميعها و جعل الزهد أحد أركانه. و قد جعل الله تعالى الصبر حال التقوى و رفع للمتقين في الإكرام درجات. فقال عزّ و علا: إِنَّهُ من يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ [يوسف: ٩٠] و قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣].