قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٦ - الفصل الحادي و الثلاثون
صدره شيء من الشبهات فيسعه ترك البحث فإذا وقع في سمعه شيء من ذلك و وقر في قلبه و لم يكن عنده تفصيل ذلك و قطعه و معرفة تمييز حقه من باطله لم يحل له أن يسكت عليه لئلا يعتقد باطلا أو ينفي حقا فافترض عليه طلب ذلك من العلماء به فيستكشفه حتى يكون على اليقين من أمره فيعتقد من ذلك الحق و ينفي الباطل و لا يقعد عن الطلب فيكون مقيما على شبهة فيتبع الهوى أو يكون شاكا في الدين فيعدل عن طريق المؤمنين أو يعتقد بدعة فيخرج بذلك عن السنة و مذهب الجماعة و هو لا يعلم. و لهذا المعنى كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في دعائه: اللّهم أرنا الحق حقا فنتبعه و أرنا الباطل باطلا فنجتنبه و لا تجعل ذلك متشابها علينا فنتبع الهوى، و هذا مذهب أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي و داود بن علي و الحسين الكرابيسي و الحرث بن أسد المحاسبي و من تابعهم من المتكلمين، فهذه أقوال العلماء في معنى هذا الخبر: حكينا ذلك عن علمنا بمذاهبهم على معنى مذهب كل طائفة و احتججنا لكل قول. فالألفاظ لنا و المعنى لهم و هذا كله حسن و محتمل و هؤلاء كلهم و إن اختلفوا في تفسير الحديث بألفاظ فإنهم متقاربون في المعنى إلا أهل الظاهر منهم فإنهم حملوه على ما يعلمونه و أهل الباطن تأولوه على علمهم و لعمري أن الظاهر و الباطن علمان لا يستغني أحدهما عن صاحبه بمنزلة الإسلام و الإيمان مرتبط كل واحد بالآخر كالجسم و القلب لا ينفك أحدهما عن صاحبه. و هؤلاء المختلفون في الأقوال مجمعون أنه صلّى الله عليه و سلم لم يرد بذلك طلب علم الأقضية و الفتاوى و لا علم الاختلاف و المذاهب و لا كتب الأحاديث مما لا يتعين فرضه و إن كان الله تعالى لا يخلي من ذلك من يقيمه بحفظه و الذي عندنا في حقيقة معنى هذا الخبر و الله أعلم أن قوله صلّى الله عليه و سلم: طلب العلم فريضة يعني علم هذه الفرائض الخمس التي بني الإسلام عليها من حيث لم يفترض على المسلمين غيرها، ثم إن العمل لا يصح إلا بعلمه فأول العمل العلم به فصار علم العمل فرضا من حيث افترض العمل. فلما لم يكن على المسلمين فرض من الأعمال إلا هذه الخمس فصار طلب علم هذه الخمس فرضا لأنه فرض الفرض و علم التوحيد داخل فيها لأنه في أوّله شهادة أن لا إله إلا الله بإثبات صفاته المتصلة بذاته و نفي صفات سواه المنفصلة عن إياه كله داخل في علم شهادة: أن لا إله إلا الله و علم الإخلاص داخل في صحة الإسلام إذا لا يكون مسلما إلّا بإخلاص العمل لقوله صلّى الله عليه و سلم ثلاث لا يغلّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل للَّه فبدأ به و اشترط للإسلام و الأصل في هذا أنه لم يرد صلّى الله عليه و سلم علم كل ما جاز أن يكون معلوما بإجماع الأمة. إنه لم يعن بذلك علم الطب أو علم النجوم و لا علم النحو أو الشعر أو المغازي و هذه