قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٩ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
الناس انصرفوا و كان أبو محمد سهل رحمه الله يجلس إليه خمسة أو ستة إلى العشرة و قال لي بعض الشيوخ: كان الجنيد رحمه الله يتكلم على بضع عشرة. قال و ما تم أهل الجلسة عشرون. و قد حدثت عن أبي الحسن بن سالم شيخنا رحمه الله: أن قوما اجتمعوا في مسجده فأرسلوا إليه بعضهم، إن إخوانك قد حضروا و يحبون لقاءك و السماع منك فإن رأيت أن تخرج إليه فذاك و كان المسجد على باب بيته. و لم يكن يدخل عليه في منزله فقال للرسول بعد أن خرج إليهم: من هم؟ فقال: فلان و فلان و سماهم فقال: ليس هؤلاء من أصحابي هؤلاء أصحاب المجلس و لم يخرج كأنه رآهم عموما لا يصلحون لتخصيص علمه فلم يذهب وقته لوقتهم و كذلك العالم خلوته تعز عليه فإن وافق خصوص أصحاب آثرهم على خلوته فكان ذلك مزيدا لهم و إن هو لم يوافق لم يؤثر على خلوته غيره فيكون مناخا للبطالين. و قد كان ابن سالم أبو الحسن يخرج إلى إخوانه ممن يراه موضعا لعلمه فيجلس إليهم و يذاكرهم و ربما أدخلهم إليه نهارا أو ليلا و لعمري أن المذاكرة تكون بين النظراء و المحادثة تكون مع الإخوان و الجلوس للعلم يكون للأصحاب. و الجواب عن السؤال نصيب العموم. و كان عند أهل العلم أن علمهم مخصوص لا يصلح إلا للخصوص و الخصوص قليل. و لم يكونوا ينطقون به إلا عند أهله و يرون أن ذلك من حقه و أنه واجب عليهم كما وصفهم علي كرم الله وجهه في قوله حتى يودعوه أمثالهم و يزرعوه في قلوب أشكالهم و كذلك جاءت الآثار بذلك عن نبينا صلّى الله عليه و سلم و عن عيسى عليه السّلام: لا تضيعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم. كونوا كالطبيب الرفيق الذي يضع الدواء في موضع الداء. و في لفظ آخر: من وضع الحكمة في غير أهلها جهل و من منعها أهلها ظلم. إن للحكمة حقا و إن له أهلا و إن لأهلها حقا فأعط كل ذي حق حقه و في حديث عيسى صلاة الله و سلامه عليه لا تعلقوا الجوهر في أعناق الخنازير فإن الحكمة خير من الجوهر و من كرهها فهو شر من الخنزير. و كان بعض هذه الطائفة يقول: نصف هذا العلم سكوت و نصفه تدري أين تضعه. و قد قال بعض العارفين: من كلّم الناس بمبلغ علمه و بمقدار عقله و لم يخاطبهم بقدر حدودهم فقد بخسهم حقهم و لم يقم بحق الله عزّ و جلّ فيهم و كان يحيى بن معاذ يقول: اغرف لكل واحد من نهره و اسقه بكأسه و نحن نقول بمعناه كل لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان علمه حتى تسلم منه و ينتفع بك و إلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار. و حدثني بعض أشياخنا من هذه الطائفة عن أبي عمران و هو المزين الكبير المكي قال سمعته يقول لأبي بكر الكتابي و كان سمحا بهذا العلم بذولا له لجميع الفقراء فجعل أبو