قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٩ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
بيته لأوليائه إجلالا لهم فشرّف البيت بهم. و في الخبر عن الله تعالى: من أهان وليّا فقد بارزني بالمحاربة و أنا الثائر لوليي في الدنيا و الآخرة. و في أخبار يعقوب عليه السلام أن الله تعالى أوحى إليه: تدري لم فرقت بينك و بين يوسف عليه السلام هذه المدة؟ قال: لا قال: لقولك لإخوته أخاف أن يأكله الذئب و أنتم عنه غافلون، لم خفت الذئب عليه و لم ترجني له، و لم نظرت إلى غفلة إخوته و لم تنظر إلى حفظي له، و من سبق عنايتي بك أن جعلت نفسي عندك أرحم الراحمين، فرجوتني و لو لا ذلك لكنت أجعل نفسي عندك أبخل الباخلين. فالرجاء هو اسم لقوّة الطمع في الشيء بمنزلة الخوف اسم لقوّة الحذر من الشيء. و لذلك أقام الله تعالى الطمع مقام الرجاء في التسمية و أقام الحذر مقام الخوف فقال: علت كلمته: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً و قال تعالى: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ و هو وصف من أوصاف المؤمنين و خلق من أخلاق الإيمان لا يصحّ إلا به كما لا يصحّ الإيمان إلا بالخوف. فالرجاء بمنزلة أحد جناحي الطير لا يطير إلا بجناحيه، كذلك لا يؤمن من لا يرجو من آمن به و يخافه و هو أيضا مقام من حسن الظن باللّه تعالى و جميل التأميل له، فلذلك أوصى رسول الله صلّى الله عليه و سلم فقال: لا يموتن أحدكم إلا و هو حسن الظن باللّه تعالى لأنه قال عن الله تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء. و كان ابن مسعود رضي الله عنه يحلف باللّه تعالى ما أحسن عبد باللّه تعالى ظنّه إلا أعطاه الله تعالى ذلك لأن الخير كله بيده أي فإذا أعطاه حسن الظن باللّه تعالى فقد أعطاه ما يظنه لأن الذي حسن ظنه به هو الذي أراد أن يحققه له. و روينا عن يوسف بن أسباط قال: سمعت سفيان الثوري رضي الله عنه يقول في قوله تعالى: وَ أَحْسِنُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥] قال: أي أحسنوا باللّه تعالى الظنّ. و كذلك دخل رسول الله على الرجل و هو في سياق الموت فقال: كيف تجدك؟ فقال: أجدني أخاف ذنوبي و أرجو رحمة ربي. فقال عليه السلام: ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ما رجا و أمنه مما يخاف. و لذلك قال عليّ كرّم الله وجهه للرجل الذي أطار الخوف عقله حتى أخرجه إلى القنوط فقال له: يا هذا أ يأسك من رحمة الله تعالى أعظم من ذنبك؟ صدق رضي الله عنه لأن الأياس من روح الله تعالى الذي يستريح إليه المكروب من الذنوب و القنوط من رحمة الله تعالى التي يرجوها المبتلى بالذنوب أعظم من ذنوبه و هو أشد من جميع ذنوبه لأنه قطع بهواه على صفات الله تعالى المرجوّة و حكم على كرم وجهه بصفته المذمومة فكان ذلك من أكبر الكبائر و إن كانت ذنوبه كبائر.