قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٨ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
في قلب صاحب اليمين من الرحمة للعبد أضعاف ما جعل في قلب صاحب الشمال مع أنه أمره عليه، فإذا عمل العبد حسنة فرح بها ملك اليمين، و يقال: فرح بها الملائكة فيكتب للعبد بفرحه الحسنات. و روينا في حديث أنس بن مالك الطويل: إذا أذنب العبد ذنبا كتب عليه، فقال الأعرابي: فإن تاب؟ محي من صحيفته. قال: فإن عاد؟ قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم يكتب عليه، قال الأعرابي: فإن تاب؟ قال محي من صحيفته. قال: إلى متى يا رسول الله؟ قال: إلى أن يستغفر: و يتوب إلى الله تعالى. و أن الله لا يملّ من المغفرة حتى يملّ العبد من الاستغفار، فإذا هم العبد بحسنة كتبها صاحب اليمين حسنة قبل أن يعملها فإذا عملها كتبها عشر حسنات ثم ضاعفها الله عزّ و جلّ إلى سبعمائة ضعف، و إذا همّ بخطيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت خطيئة واحدة وراءها حسن عفو الله تعالى: و جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله إني لا أصوم إلا الشهر لا أزيد عليه و لا أصلي إلا الخمس لا أزيد عليهنّ و ليس للَّه تبارك و تعالى في مالي صدقة و لا حجّ و لا أتطوع أين أنا إذا مت؟ فقال النبي صلّى الله عليه و سلم: في الجنة. قال: يا رسول الله معك فتبسم رسول الله صلّى الله عليه و سلم و قال نعم معي إن حفظت قلبك من اثنين الغل و الحسد و لسانك من اثنين: الغيبة و الكذب، و عينك من اثنين: النظر إلى ما حرم الله تعالى و أن تزدري بهما مسلما دخلت معي الجنة على راحتي هاتين. و روينا في الخبر الطويل عن أنس رضي الله عنه: أن الأعرابي قال: يا رسول الله من يلي حساب الخلق؟ قال: الله عزّ و جلّ قال: هو بنفسه؟ قال: نعم. قال: فتبسم الأعرابي فقال النبي صلّى الله عليه و سلم: ممّ ضحكت يا أعرابي؟ فقال: إن الكريم إذا قدر عفا و روي تجاوز، و إذا حاسب سامح. فقال النبي صلّى الله عليه و سلم: صدق ألا و لا كريم أكرم من الله عزّ و جلّ هو أكرم الأكرمين. ثم قال عليه السلام: فقه الأعرابي. و فيه أيضا: إن الله تبارك و تعالى شرف الكعبة و عظمها، و لو أن عبدا هدمها حجرا حجرا ثم أحرقها ما بلغ جرم من استخف بوليّ من أولياء الله تعالى. قال الأعرابي من أولياء الله؟ قال: المؤمنون كلهم أولياء الله تعالى، أما سمعت الله تعالى يقول: الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ من الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]. و في الخبر المفرد عن النبي صلّى الله عليه و سلم: المؤمن أفضل من الكعبة، و المؤمن طيب طاهر و المؤمن أكرم على الله تعالى من الملائكة. و في الخبر المشهور عن عبد الله ابن عمرو و أبي هريرة رضي الله عنهما و كعب الأحبار أنه نظر إلى الكعبة فقال: ما أشرفك و ما أعظمك! و للمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. و قد أمر الله سبحانه و تعالى أنبياءه بتطهير