قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٢ - الفصل الخامس و العشرون في ذكر تعريف النفس و تصريف مواجيد العارفين
أشد من محاسبة الشريك لشريكه. و قد قال بعض العلماء: من علامة المقت أن يكون العبد ذاكرا لعيوب غيره ناسيا لعيوب نفسه ماقتا للناس على الظن محبا لنفسه على اليقين و ترك محاسبة النفس و مراقبة الرقيب من طول الغفلة عن الله عزّ و جلّ و الغافلون في الدنيا هم الخاسرون في العقبي لأن العاقبة للمتقين قال الله عزّ و جلّ: وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [النحل: ١٠٨] لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون و طول الغفلة من العبد عن طبائع القلب من المعبود و الغفلة في الظاهر غلاف القلب في الباطن. تقول العرب غفله و غلفه بمعنى كما تقول جذب و جبذ و خشاف و خفاش و طبائع القلب عن ترادف الذنب بعضه فوق بعض و هو الران الذي يتعقب الكسب فيكون عقوبة له. قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]. قيل: الكاسب الخبيثة و أكل الحرام. و في التفسير: هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب. و أصل الرين الميل و الغلبة و هو التغطية أيضا. يقال: ران عليه النعاس إذا غلبه و رانت الخمر على عقله أي غطته. و من هذا قول عمر رضي الله عنه في سابق الحاج فادّان معرضا فأصبح و قد رين به أي مال به الدين فغلبه. و أصل ترادف الذنوب من إغفال المراقبة و إهمال المحاسبة و تأخير التوبة و التسويف بالاستقامة و ترك الاستغفار و الندم. و أصل ذلك كله هو حب الدنيا و إيثارها على أمر الله عزّ و جلّ و غلبة الهوى على القلب. ألم نسمع إلى قوله عزّ و جلّ: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ [النحل: ١٠٧] إلى قوله عز و جل: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ الله عَلى قُلُوبِهِمْ [النحل: ١٠٨] و قال في دليل الخطاب: وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى [النازعات: ٤٠] يعني عن إيثار الدنيا لأن صريح الكلام وقع في وصفهم بالطغيان و إيثار الحياة الدنيا، ثم قال: طَبَعَ الله عَلى قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ [محمد: ١٦]، فاتباع الهوى عن طبائع القلب و طبائع القلب عن عقوبة الذنب و ميراث العقاب الصمم عن فهم الخطاب. أما سمعته يقول: لو نشاء أصبناهم بذنوبهم و نطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون و قد جعل علي رضي الله عنه الغفلة مقاما من مقامات الكفر فقال في حديثه الطويل: فقام إليه سلمان فقال: أخبرنا عن الكفر على ما بني فقال: على أربع مقامات: على الشك، و الجفاء، و الغفلة، و العمى. فإذا كثرت غفلة القلب قل إلهام الملك للعبد و هو سمع القلب لأن طول الغفلة يصمه عن السمع و عدم سمع الكلام من الملك عقوبة الخطايا و تثبيت الملك للعبد على الخير و الطاعة وحي من الله عزّ و جلّ إليهم و تفضيل للعبد. أما سمعت قول الله عزّ و جلّ: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: ١٢]. و في الخبر: إن آدم عليه السلام حجب عن سمع