قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧ - الفصل الثامن في ذكر أوراد الليل الخمسة
الفصل الثامن في ذكر أوراد الليل الخمسة و في الليل خمسة أوراد أوّلها أن يصلي بعد المغرب ست ركعات، و يستحب ذلك قبل أن يكلم أحدا. يقرأ في الأوليين: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [الكافرون: ١] قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ [الإخلا ١] و ليسرع بهما بعد صلاة المغرب من قبل أن يتكلم و يشتغل بشيء. و في الخبر: أسرعوا بركعتين بعد المغرب فإنهما يرفعان معها: فإن كان منزله قريبا من مسجده فلا بأس أن يركعهما في بيته و ليطل الأربعة الأخر. و كان أحمد بن حنبل رحمه الله يستحب أن يصليهما الرجل في بيته. و كذلك كان يفعل و يقول: هو سنة، لأنه روي أن النبي صلّى الله عليه و سلّم كان يصليهما في بيته. و لكن بيت رسول الله صلّى الله عليه و سلّم كان في مؤخر المسجد. و قد صلاهما في المسجد. ثم ليصل بين العشاءين ما تيسر إلى أن يغيب الشفق الثاني و هو البياض الذي يكون بعد ذهاب الحمرة و بعد غسق الليل و ظلمته لأنه آخر ما بقي من شعاع الشمس في القطر الغربي إذا قطعت الأرض العليا و دارت من وراء جبل قاف مصعدة تطلب المشرق فهذا هو الوقت المستحب لصلاة العشاء الآخرة. و هذا آخر الورد الأول من أوراد الليل. و الصلاة فيه ناشئة الليل أي ساعاته لأنه أول نشوء ساعاته، و هو آن من الآناء التي ذكرها الله عزّ و جلّ في قوله: وَ من آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ [طه: ١٣٠]. فالآناء جمع آن أي وقت منه فصل و قيل ناشئة الليل قيام الليل. هذا وافق لسان الحبشة تقول نشا إذا قام. و قد أقسم الله تعالى به فقال: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] و الشفق ما بين العشاءين. و هي صلاة الأوّابين و يقال أيضا صلاة الغفلة. قال يونس بن عبيد عن الحسن في قوله عزّ و جلّ: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [السجدة: ١٦]. قال الصلاة بين العشاءين. حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه و قد سئل عمن نام بين المغرب و العشاء، فقال لا تفعل فإنها هي الساعة التي وصف الله عزّ و جلّ المؤمنين بالقيام فيها فقال عزّ و جلّ: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [السجدة: ١٦]. يعني الصلاة بين المغرب و العشاء و قد أسند ابن أبي الدنيا إلى النبي صلّى الله عليه و سلّم أنه سئل عن هذه الآية تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ