قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩٤ - ذكر ما أحدث الناس من القول و الفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف
على سنة فسكوته أقرب له إلى الله تعالى فمثله في ذلك كما قال الله عزّ و جلّ: وَ من قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ الله لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا ما آتاها [الطلاق: ٧]. و مما ظهر إظهار علوم المعرفة بمعاني الرغبة ليتميزوا عن الفقراء تكبرا منهم فلا يجعلون مجعلهم فليصرف إليهم من الأسباب على قدر أنسهم و أحوالهم، و هذا من أكبر أبواب الدنيا و أضره على مريدي الآخرة و ألطفه تمويها في الدين و منها الكلام في التوحيد بمخالفة علم الشرع و أن الحقيقة تخالف العلم و الحقيقة هي علم و هي أحد طرقات الشريعة و علم الشرع عنها فكيف تنافيها و هي التي أوجبته و إنما هي عزيمة و ضيقة و علم الظاهر هو الرخصة و السعة فمن تكلم في علم الباطن على غير قواعد العلم الظاهر و أصوله فذلك من الإلحاد في الشريعة و الوليجة بين الكتاب و السنة. و قد قال بعض العارفين: نظرت إلى هؤلاء الشاطحين فما وجدت إلا جاهلا مغرورا أو خاسئا حبورا أو مستظهرا بلا شيء. و منها الكلام في الدين بالوساوس و الخطرات عن غير ردّ مواجيدها إلى الكتاب و السنّة و الواجب معرفة تفصيلها. و نفى ما لم يشهد له الكتاب و السنّة منها. إذ في المواجيد ضلال و غرور و في المشاهدات باطل و زور، مع دعواهم المحبة و إنكارهم الصفة التي جاءت بها السنّة و عن غير شهادة موصوف و ادعائهم المعرفة من غير تعرف معروف و ممّا أحدثوا السجع في الدعاء و التغريب فيه و لم يرد الكتاب به و لا نقل عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم و لا الصحابة بل كانوا ينهون عن الاعتداء في الدعاء و يجتنبون محاوزة ما أخبر الله تعالى عن أوليائه من الأدعية الجامعة المختصرة المعروفة. و روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: إياكم و السجع في الدعاء. حسب أحدكم أن يقول: اللّهم إني أسألك الجنة و ما قرب إليها من قول و عمل. و أعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول و عمل. و في الخبر سيأتي قوم يعتدون في الدعاء و الطهور. و سمع عبد الله بن مغفل ابنه يدعو بدعاء يغمق فيه فقال: يا بني إياك و الحدث و الاعتداء في الدعاء. و في قوله عز و جلّ: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥]. قيل في الدعاء: فالاعتداء في الدعاء هو ترك ما أخبر الله عزّ و جلّ عن أوليائه الصالحين من الدعاء بالمغفرة و الرحمة و التوبة و معنى ذلك من الدعاء المعروف و القول المشهور إلى التنطع و التعميق و التغريب و التدقيق. و يقال إن العلماء و الأبدال لا يزيد أحدهم على سبع كلمات في الدعاء و وجدت تصديق ذلك في الكتاب إن الله تعالى ما أخبر عن عباده في الدعاء في مكان واحد أكثر من سبع دعوات، و هي التي في أخر سورة البقرة، و إلا إنما يخبر عنهم بالدعوتين و الثلاث و الأربع إلى الخمس في مواضع من الكتاب متفرقة.