قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٤١ - المقام الثالث من اليقين
و روينا عنه أيضا أنه قال: إن الله لا يعبأ بذي قول و رواية إنما يعبأ بذي فهم و دراية. و قال أبو حصين: إن أحدهم ليفتي في مسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر. و قال غيره: يسأل أحدهم عن الشيء فيسرع للفتيا و لو سئل أهل بدر عنها لأعضلتهم. و قال عبد الرحمن بن يحيى الأسود و غيره من العلماء: إن علم الأحكام و الفتاوى كان الولاة و الأمراء يقومون به و ترجع العامة إليهم فيه ثم ضعف الأمر و عجزت الولاة عن ذلك لميلهم إلى الدنيا و شغلهم بالحروب عنها فصاروا يستعينون على ذلك بعلماء الظاهر و بالمفتين في الجوامع. فكان الأمير إذا جلس للمظالم قعد عن يمينه و شماله مفتيان يرجع إليهما في القضاء و الأحكام و يأمر الشرط بمثل ذلك فكان من الناس من يتعلم علم الفتيا و القضاء ليستعين بهم الولاة على الأحكام و القضاء حتى كثر المفتون رغبة في الدنيا و طلبا للرئاسة ثم اختلف الأمر بعد ذلك حتى تركت الولاة الاستعانة بالعلماء و مما يدلك على ذلك حديث عمر رضي الله عنه حيث كتب إلى ابن مسعود عقبة بن عامر ألم أخبر أنك تفتي الناس و لست بأمير و لا مأمور. و في حديث أبي عامر الهروي قال: حججت مع معاوية فلما قدمنا مكة حدث عن رجل يقضي و يفتي الناس مولى لبني مخزوم فأرسل إليه فقال: أمرت بهذا قال: لا، قال: فما حملك عليه؟ قال: نفتي و ننشر علما عندنا. فقال معاوية: لو تقدمت إليك قبل يومي هذا لقطعت منك طابقا ثم نهاه و لم يكونوا يقولون ذلك في علم القلوب و لا علم الإيمان و اليقين بل قد كتب عمر إلى أمراء الأجناد: احفظوا ما تسمعون من المطيعين فإنهم تجلّى لهم أمور صادقة و قد كان عمر رضي الله عنه يجلس إلى المريدين فيستمع إليهم. و في الخبر: إذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتا و زهدا فاقتربوا منه فإنه تلقى الحكمة. و قال بعض أصحاب الحديث: رأيت سفيان الثوري حزينا فسألته فقال و هو برم: ما صرنا إلا متجرا لأبناء الدنيا قلت: و كيف؟ قال: يلزمنا أحدهم حتى إذا عرف بنا و حمل عنا جعل عاملا أو جابيا أو قهرمانا. و كان الحسن يقول: يتعلم هذا العلم قوم لا نصيب لهم منه في الآخرة يحفظ الله تعالى بهم العلم على الأمة لئلا يضيع. و قال المأمون رحمه الله: لو لا ثلاث لخربت الدنيا: لو لا الشهوة لانقطع النسل و لو لا حب الجمع لبطلت المعايش و لو لا حب الرئاسة لذهب العلم. فهذا كله وصف علماء الدنيا و أهل علم الألسنة. و أما علماء الآخرة و أهل المعرفة و اليقين فإنهم كانوا يهربون من الأمراء و من أتباعهم و أشياعهم من أهل الدنيا و كانوا ينتقصون علماء الدنيا و يطعنون عليهم و يتركون مجالستهم. و قال ابن أبي ليلى أدركت في هذا المسجد مائة و عشرين من الصحابة ما سئل أحدهم عن حديث و لا