قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٧٠ - فصل آخر
الزهد في الهوى كائنا ما فقد أعطي حقيقة الزهد في الدنيا، و هذا هو الزهد في النفس، لأن النفس عين الرغبة و الهوى روح النفس. فاعرف هذا. و كان يونس بن ميسرة الجيلاني يقول: ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال و لا إضاعة المال، و لكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله تعالى أوثق منك بما في يديك، و أن يكون حالك في المصيبة و حالك إذا لم تصب بها سواء، و أن يكون ذامّك و مادحك في الحقّ سواء. و قال سلام ابن أبي مطيع رحمهما الله: الزهد على ثلاثة أوجه، واحد أن تخلص العمل لله عزّ و جلّ و القول فلا يراد بشيء منه الدنيا، و الثاني ترك ما لا يصلح و العمل بما يصلح، و الثالث الحلال أن يزهد فيه و هو تطوّع. و كان إمامنا في هذا العلم إبراهيم بن أدهم رحمه الله يقول: الزهد ثلاثة أصناف: زهد فرض، و زهد فضل، و زهد سلامة. فالزهد الفرض في الحرام، و الزهد الفضل و السلامة الزهد في الشبهات. و أما أيوب السختياني رحمه الله فكان يقول: الزهد أن يقعد أحدكم في منزله فإن كان قعوده للَّه تعالى رضا و إلا خرج. و إن يخرج فإن كان خروجه للَّه تعالى رضا و إلا رجع. فإن كان رجوعه للَّه تعالى رضا و إلا ساح و يخرج درهمه. فإن كان إخراجه للَّه رضا و إلا حبسه و يحبسه. فإن كان حبسه للَّه تعالى رضا و إلا رمى به و يتكلم. فإن كان كلامه للَّه تعالى رضا و إلا سكت. فإن كان سكوته للَّه تعالى رضا و إلا تكلم فقيل: هذا صعب فقال: هذا الطريق إلى الله عزّ و جلّ و إلا فلا تلعبوا فقد ذهب إلى أن الزهد هو المراقبة، و المراقبة هي الإخلاص. و سئل خاتم الأصم صاحب شقيق البلخي رحمهما الله تعالى عن الزهد فقال: أوّله الثقة و أوسطه الصبر و آخره الإخلاص. فإذا كان الإخلاص عندهم هو آخر الزهد فكيف يصحّ لعبد آخر الزهد قبل أوّله أم كيف يجاوز الإخلاص إلى مقامات المعرفة فقد صار آخر الزهد عندهم أوّل المعرفة و ذهبت طائفة إلى أن الزهد في الدنيا فريضة على المؤمنين لأن حقيقة الإخلاص هو الزهد عندهم فأوجبوه من حيث أوجبوا على المؤمنين الإخلاص و مال إلى هذا القول عبد الرحيم بن يحيى الأسود. و قد روينا معناه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قيل لأحمد: بأيّ شيء ذكر القوم و صاروا أئمة فقال: بالصدق. قالوا: و ما الصدق؟ قال: الإخلاص. قيل: و ما الإخلاص؟ قال: هو الزهد قيل: و ما الزهد يا أبا عبد الله فأطرق ثم قال: سلوا الزهاد سلوا بشر بن الحارث. و قال قوم الزهد في الدنيا طلب الحلال و إنه واجب مفترض في مثل زماننا هذا لاختلاط الأشياء و غلبة الشبهات قالوا: فقد تعين فرض الزهد و هذا مذهب إبراهيم ابن أدهم و وهيب بن الورد و سليمان الخواص و جماعة من أهل الشام. و قد كان سهل يقول: