قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٩ - الفصل الثالث و العشرون فيه كتاب محاسبة النفس و مراعاة الوقت
[النحل: ١٠٤]. و كما أن الله عزّ و جلّ في البيان نعمة لأنه لا تقع إلا بقدرة كما قال: فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير فكذلك على العبد فيه شكر و قد يكون سببا للإنعام بالبيان و على الله المزيد على الشكر، كما قال: كَذلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٨٩]. و قال في تحقيق الشكر بالمزيد للشاكرين على التصريف: كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ [الأعراف: ٥٨] فإذا وقف العبد في الشبهات عن الإمضاء و أوقف الخاطر على الابتداء حتى يكشفه الله عزّ و جلّ له بمزيد علم أو قوة يقين أو كشف حجاب الهوى فقد وفق للصواب و هو من معنى قوله عزّ و جلّ: آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ [ ٢٠] و داخل في قوله: وَ من يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩]. هذا إذا لم يرد بالطلب و لم يجعل لعالم آخر فيه مكان كشفه للعبد بوصفه فإذا أراده بالطلب لأوليائه و جعل للعلماء مكانا للدلالة عليه أضطره أن يسأل عالما باللّه و بباطن أحكامه عارفا بلطيف حجابه و خفي كشفه فيكشف له على لسانه إذا لم يكن العبد ممن يكاشف بقلبه لتحقيق قوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣] و لتصديق قوله الرحمن فاسأل به خبيرا و الله تعالى هو المسير الأوّل و المبين الآخر إلا أن السير و السؤال على العبد و الهدى و البيان على الهادي المبين. كما قال: قُلْ سِيرُوا في الْأَرْضِ فَانْظُرُوا [النمل: ٦٩]. و قال تعالى: فَإِنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ [يونس: ٩٤] الآية. ثم قال: إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: ١٩] إن علينا للهدى و على الله قصد السبيل كذلك سننه التي قد خلت من قبل و لا تبديل لها و لا تحويل. أ لم تسمع قول الله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١]. فهذا هو المجتبي للتعليم الآخذ نصيبه من الله عزّ و جلّ بتفهيم المصطفى لمكان التخصيص. ثم قال: يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ [البقرة: ٣٣]. فلما أنبأهم بأسمائهم ترك آدم و رد إليه و ذكر نفسه بالعلم منه بعد أن دلّ بالواسطة عليه. فقال: ألم أقل لكم إني أعلم و لم يقل إن آدم يعلم فأخذ آدم نصيبه من رازقه بقلبه لمكان رتبته و أخذت الملائكة أنصبتها من الله عزّ و جلّ من نصيب آدم بواسطته و الله هو الرزاق ذو القوة المتين كما هو الخلّاق. هل من خالق غير الله يرزقكم؟ و العبيد يأخذون أنصبتهم بأقسامهم من حيث هي طرق و سبب لهم. و هذا حينئذ أول المحاسبة عن مشاهدة حسيب، و التحقيق بالمحاسبة هو أول المراقبة عن رؤية رقيب، و المقام من المراقبة هو حال من أحوال الموقنين، و علم اليقين هو آخر علم الإيمان و آخر نصيب العبد من علم اليقين أعني نهايته أول عين اليقين و هو شهادة المعرفة و المعرفة على هذا الوصف أول