قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٠٤ - ذكر تفصيل العلوم و معروفها و قديمها و محدثها و منكرها
خالف بها هدي السلف بالتنعم و الرفاهية و إنما كان الناس يخرجون على الرواحل و الزوامل فيضحون للشمس و ينصبون في سبيل الله تعالى و يشعثون و يغبرون و يقل أكلهم و نومهم و تكثر رفاهة الإبل و تقل المشقة و الحمل عليها فيكون ذلك أثوب لهم و أزكى لحجهم و أدنى إلى السلامة لإبلهم. و يوافقون به سنّة نبيهم صلّى الله عليه و سلّم فأخرجهم من جميع ذلك بما أدخلهم فيه من بدعته فصاروا يخرجون في بيوت ظليلة مع الحمل على الإبل ما لا تطيق فيكون سبب تلفها فيشركونه فيه و يشركهم بسنته. و ابتدع أيضا هذه الأخماس و العواشر و رءوس الآي و حمر السواد و خضره و صفرة فأدخل في المصحف ما ليس فيه من الزخرف و كان السلف يقولون: جرّدوا القرآن كما أنزله الله تعالى و لا تخلطوا به غيره. فأنكر العلماء ذلك عليه حتى قال أبو رزين: يأتي على الناس زمان ينشأ فيه نشء يحسبون أن ما أحدث الحجاج في المصاحف هكذا أنزله الله تعالى يذمه بذلك و حتى نقل الاختلاف و أن بعضهم كان لا يقرأ في مصحف منقوط بحمرة لأن بعضهم كان لا يرى القراءة في مصحف منقوط كما نقل أن بعضهم كان يرى شراء المصحف و يكره بيعه أي: و كذلك إذا لم تنقطه أنت فلا بأس أن تقرأ فيما نقطه غيرك. و قد كانوا يكرهون أخذ الأجر على تنقيط القرآن لأجل أنه مبتدع. و قال أبو بكر الهذلي: سألت الحسن رحمه الله عن تنقيط المصاحف بالأجر قال: و ما تنقيطها قلت: يعربون الكلم بالعربية فقال: أما إعراب القرآن فلا بأس به. و قال خالد الحذاء: دخلت على ابن سيرين فرأيته يقرأ في مصحف منقوط و قد كان يكره النقط. و قال فراس بن يحيى: وجدت ورقا منقوطا بالنحو في سجن الحجاج فعجبت منه و كان أول نقط رأيته فأتيت به الشعبي فأخبرته فقال لي: اقرأ عليه و لا تنقطه أنت بيدك. و منها أنه جمع من القراء ثلاثين رجلا فكانوا يعدون حروف المصحف و يعدون كلمه شهرا. و لو رآهم عمر أو عثمان أو علي يصنعون هذا بالقرآن أي يعدون حروفه و كمله لأوجع رءوسهم ضربا و هذا الذي كرهته الصحابة و وصفوا به قراء آخر الزمان أنهم يحفظون حروفه و يضيعون حدوده و كان الحجاج أقرأ القراء و أحفظهم لحروف القرآن كان يختم القرآن في كل ثلاث و كان أضيع الناس لحدوده. و منها أنه ابتدع إخراج الحصى و الرمل من المساجد و فرشها بالبواري. كما روى أن قتادة سجد فدخلت في عينه قصبة و كان ضريرا فقال لعن الله الحجاج ابتدع هذه البواري يؤذي بها المصلين و قد كانوا يستحبون السجود على الأرض و التراب تواضعا للَّه تعالى و تخشعا و ذلا إلى غير ذلك من بدعه التي لم نقصد تعديدها عليه و لا جمعها فهي اليوم سنن معروفة و شرائع مألوفة مع ما أحدث غيره مما يكثر عدده منكر كله عند من عرف المعروف من سيرة المتقدمين و شمائل الصالحين.