قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦٦ - شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين
عظيم قدر الإسلام في قلوبهم و نفيس مكانه عندهم فعظمت النعمة به عليهم فمعرفتهم بذلك هو شكرهم فصار الخوف و الإشفاق طريقا لهم في الشكر للرازق. و قد جعل الله تعالى ذلك نعمة و كل نعمة تقتضي شكرا في قوله تبارك و تعالى: قالَ رَجُلانِ من الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا [المائدة: ٢٣] قال بعض المفسرين: أنعم الله عليهما بالخوف و هذا أحد وجهي الكلام و لو لم يشكر العبد مولاه إلا أنه تبارك و تعالى على هذه الأوصاف و الأخلاق التي هي صفاته و أخلاقه من نهاية الكرم و الجود الذي لا غاية له و من غاية التفضّل و الحلم الذي لا نهاية له. فلما كان تبارك و تعالى بهذه الأخلاق المرجوّة و الصفات الحسني وجب أن يشكره العبيد لأجله تعالى لا لأجل نعمه و أفعاله، و هذا ذكر المحبين إذ لو كان الله تعالى على غير هذه الصفات و الأخلاق التي عرفه بها العارفون و لا بدّ لهم منه أي شيء كان يصنع العباد و أي حيلة كانت لهم فله الحمد كله و له الشكر كله كما هو مستحقه و أهله بحمده لنفسه. و لا ينبغي إلا له سبحانه و تعالى. كما ينبغي لكرم وجهه و عزّ جلاله إذ كان و لم يزل على ما هو الآن و لا يزال أبدا على ما كان من الأوصاف و النعوت التامات و الأسماء الحسني و الأمثال العلى. و معرفة هذا هو شكر العارفين و مشاهدته هو مقام المقربين فشكر هؤلاء للَّه تعالى لأجل الله تعالى و دعاء هؤلاء التحميد و التقديس و أعمالهم الإجلال و التعظيم للأجل و سؤالهم تجلّي الصفات و النصيب من مشاهدة معاني الذات و وصف هذا لا يوصف و شرحه بالمعقول لا يعرف، و هذا داخل في مشاهدة قوله لمن شهد سر الكلام إذ يقول عزّ و جلّ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] و عن هذه المشاهدة اغتبط موسى عليه السلام بالربوبية و أنس بالتقريب فانبسط بالتمكين فقال لي: ما ليس لك فقال: الله تعالى و ما هو، فقال لي: مثلك و ليس لك مثل نفسك فقال عزّ و جلّ: صدقت. يعني لي أنت على هذه الأوصاف التي هي غاية الطالبين و لا مزيد عليها للراغبين و ليس لك كأنت إذ ليس كمثلك شيء و أن لا إله إلا أنت. فمن غامض النعم الشكر على هذه المعاني ما روي عنك و صرفه من فضول الدنيا فإنه أقل للشغل و الاهتمام و أيسر للحساب. ثم ابتلي به غيرك من الدنيا مما شغله به عنه و قطعه دونه. ففي صرف الدنيا عنك و ابتلاء غيرك بها نعمتان عليهما شكران و كذلك إذا رأيت مبتلى في دينه بصفات المنافقين أو مبتلى بنفسه بأخلاق المتكبرين أو منهما فيما عليه من أفعال الفاسقين عددت جميع ذلك نعما من الله تعالى عليك إذ لم يجعلك كذلك لأنك قد كنت أنت ذاك لو لا فضل الله عليك و رحمته فتحسب كل ما وجه إلى غيرك من الشرّ أو صرفه عنك من الخيران تعده نعما عليك بمثل ما وجه إليك من الخير و صرف عنك