قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢١ - الفصل الثاني و الثلاثون فيه شرح مقامات اليقين و أحوال الموقنين
و الجزاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة و العقاب؟ فهذا داخل في قوله عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ [المؤمنون: ٨]. و في قوله تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: ٤٠] عمر العبد أمانة عنده إن حفظه فقد أدى الأمانة و إن ضيّعه فقد خان الله. إن الله لا يحبّ الخائنين. و في خبر ابن عباس رضي الله عنه من ضيع فرائض الله عزّ و جلّ خرج من أمانة الله و عند التوبة النصوح تكفير السيئات و دخول الجنات. و كان بعضهم يقول: قد علمت متى يغفر الله لي قيل: و متى؟ قال: إذا تاب علي. و قال آخر: أنا من أن أحرم التوبة أخوف مني من أن أحرم المغفرة. و قال الله تعالى: وَ من أَصْدَقُ من الله حَدِيثاً [النساء: ٨٧] فتاب عليكم و عفا عنكم و قال تعالى في مثله: وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ [الشورى: ٢٥]. و قال بعض العلماء: لا تصحّ التوبة لعبد حتى ينسى شهواته و يكون ذاكرا للحزن لا يفارقه قلبه ذاهبا عن الذنب لا يخالج سرّه. و قال بعض علماء الشام: لا يكون المريد تائبا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال معصية عشرين سنة. و قال بعض السلف: من علامة صدق التائب في توبته أن يستبدل بحلاوة الهوى حلاوة الطاعة و بفرح ركوب الذنب الحزن عليه و السرور بحسن الإنابة. و قال بعض العلماء في معناه: لا يكون العبد تائبا حتى يدخل مرارة مخالفة النفس مكان حلاوة موافقتها. و حدثنا في الإسرائيليات: إن الله عزّ و جلّ قال لبعض أنبيائه و قد سأله قبول توبة عبد بعد أن اجتهد سنين في العبادة و لم ير قبول توبته فقال له: و عزتي و جلالي لو شفع فيه أهل السموات و الأرض ما قبلت توبته و حلاوة ذلك الذنب الذي تاب منه في قلبه و من بقيت حلاوة المعصية في قلبه أو نظر إليها إذا ذكرها بفكره خيف عليه العود فيها إلا بشدة مجاهدة و كراهة لها و نفي خاطرها عن سره إذا ذكرها بالخوف و الإشفاق منها. و قال أبو محمد سهل: أول ما يمر به المبتدئ المريد التوبة و هو تحويل الحركات المذمومة إلى حركات محمودة و يلزم نفسه الخلوة و الصمت و لا تصحّ له توبة إلا بأكل الحلال و لا يقدر على الحلال حتى يؤدي حق الله تعالى في الخلق و حق الله تعالى في نفسه و لا يصح له هذا حتى يتبرأ من حركته و سكونه إلا باللّه تعالى و حتى لا يأمن الاستدراج بأعمال الصالحات و حقيقة التوبة أن يدع ما له حتى لا يدخل فيما عليه و لا يكون يسوف أبدا إنما يلزم نفسه الحال في الوقت. و حدثونا عن سري السقطي أنه قال: من شرط التوبة أن ينبغي للتائب المنيب أنه يبدأ بمباينة أهل المعاصي ثم بنفسه التي كان يعصي الله تعالى لها و لا ينيلها إلا ما لا بدّ منه ثم الاعتزام على أن لا يعود في معصية أبدا و يلقي عن الناس مئونته و يدع كل ما