قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٠ - الفصل الخامس و العشرون في ذكر تعريف النفس و تصريف مواجيد العارفين
حتى يكون مما سوى الله عزّ و جلّ حرا فيكف يكون عبد رب و هو عبد عبد لأن ما قاده إليه فهو إلهه و ما ترتب عليه فهو ربه و هذا شرك في الإلهية عند المتألهين و مرج بالربوبية عند الربانيين فهو متعوس منكوس بدعاء الرسول صلّى الله عليه و سلم إذ يقول: تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الزوجة، تعس عبد الحلة. فهؤلاء عبيد العدد الذين قال مولاهم: إن كل من في السموات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم و عدّهم عدا أصحاب النفوس الأمّارة بالسوء المسوّلة الموافقة للهوى المخالفة للمولى و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا إلى آخر وصفهم أولو النفس المرحومة المطمئنة المرضية هم عباد الرحمن أهل العلم و الحكمة علمهم من لدنه و اختارهم لنفسه و لا يكون المريد بدلا حتى يبدل بمعاني صفات الربوبية صفات العبودية و بأخلاق الشياطين أوصاف المؤمنين و بطبائع البهائم أوصاف الروحانيين من الأذكار و العلوم، فعندها كان بدلا مقربا و الطريق إلى هذا بأن يملك نفسه فيملكها و تسخر له فيسلط عليها فإن أردت أن تملك نفسك فلا تملكها و ضيّق عليها و لا توسع لها فإن ملكتها ملكتك و إن لم تضيّق عليها اتسعت عليك فإن أردت الظفر بها فلا تعرضها لهواها و احتبسها عن معتاد بلاها فإن لم تمسكها انطلقت بك و إن أردت أن تقوى عليها فأضعفها بقطع أسباب هواها و حبس مواد شهواتها و إلا قويت عليك فصرعتك فأول الملكة لها أن تحاسبها في كل ساعة و تراقب حسبتها في كل وقت و تقف عند كل همة من خواطرها فإن كانت الهمة للَّه عزّ و جلّ سابقت الموت و بادرت الفوت في إمضائها و إن كانت الهمة لغير الله تعالى سابقت و بادرت في محوها لئلا تثبت و عملت في الاستبدال بها كيلا تستبدل بك. و في تأويل الخبر المروي البر يزيد في العمر و هو معنى الدعاء المشهور من قول الناس: جعل الله في عمرك البركة، و قد بورك له في عمره، فإن البركة في العمر أن تدرك في عمرك القصير بيقظتك ما فات غيرك من عمره الطويل بغفلته فيرتفع لك في سنة ما لا يرتفع له في عشرين سنة و للخصوص من المقربين في مقامات القرب عند التجلي بصفات الرب الحاق برفيع الدرجات و تدارك ما فات عند أذكارهم و أعمال قلوبهم اليسيرة في هذه الأوقات، فكل ذرة من ذكر بتسبيح أو تهليل أو حمد أو تدبر و تبصرة و تفكر و تذكرة بمشاهدة قرب و وجد برب و نظرة إلى حبيب و دنو إلي قريب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين الذين هم بنفوسهم واجدون و للخلق مشاهدون مثل العارفين فيما ذكرته من قيامهم بمشاهدتهم و رعايتهم لأمانتهم و عهدهم في وقت قربهم و حضورهم مثل العامل في ليلة القدر العمل فيها لمن وافقها خير من ألف شهر. و قد قال بعض العلماء كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر.