قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٠ - الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل و الموصل من الكلام و فيه مدح العالمين و ذم الغافلين عنه و تفسير الغريب و المشكل من القرآن
قوله: مُسْتَكْبِرِينَ به [المؤمنون: ٦٧] أي عنه يعني عن القرآن. فعلى هذا مجاز قوله تعالى: فَسْئَلْ به خَبِيراً [الفرقان: ٥٩] أي سل عنه. فحروف العوامل يقوم بعضها مقام بعض. و مثله قوله: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ به [المزمل: ١٨] أي فيه يعني في اليوم مثله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة: ١٥٠] معناه و لا الذين ظلموا فأبدلت إلا بقوله و لا يجوز أن تكون إلا مستأنفة بمعنى لكن الذين ظلموا متصلة بخبرها من قوله: فَلا تَخْشَوْهُمْ [البقرة: ١٥٠] فهو بمعنى قوله: لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ. إِلَّا من ظَلَمَ [النمل: ١٠- ١١]. أي لكن من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فيكون مبتدأ لذكر خبرها بعد و بمعناه قوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء: ٢]. أي مع أموالكم و كذلك قوله: وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [المائدة: ٦] أي مع المرافق لأنها داخلة في الغسل و الحروف العوامل تنوب بعضها عن بعض و لو أظهر مثل هذا المضمر و وصل مثل هذا المحذوف لكانت القراءة ضعيفة. و من الموصول المكرر للبيان و التوكيد قوله عزّ و جلّ: وَ ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ من دُونِ الله شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [يونس: ٦٦] قوله له: إِنْ يَتَّبِعُونَ [يونس: ٦٦] مردود ردّه للتوكيد و الإفهام كأنه لما طال الكلام أعيد ليقرب من الفهم و المعنى ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إِلَّا الظَّنَّ [يونس: ٦٦] أي أتباعهم الشركاء ظن منهم غير يقين و نحوه من المكرر المؤكد قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم اختصاره الذين استكبروا لمن آمن من الذين استضعفوا فلما قدم الذين استضعفوا و كان المراد بعضهم كرر المراد بإعادة ذكر من آمن منهم للبيان و مثله: إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا امْرَأَتَهُ [الحجر: ٥٩- ٦٠]. فأدخل الاستثناء على الاستثناء و هو يطول في كلامهم لأنه أراد بالنجاة بعض الآل فلما أجملهم أخرج مستثنى من مستثنى و في هذا دليل أن الأزواج من الآل لأنه استثنى امرأته من آله و من المكرر للتوكيد قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ [القص ١٩]. مختصره فلما أراد يبطش و قد قيل أن هذا من المختصر المضمر مما أضمر فيه الاسم و حذف منه الفعل و هو غريب، فيكون تقديره فلما أن أراد الإسرائيلي أن يبطش موسى: بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما [القص ١٩] فلم يفعل. قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي [القصص: ١٩] فهذا حينئذ من أخصر الكلام و أوجزه و من المكرر المؤكد قوله عزّ و جلّ: فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا من قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [غافر: ٢١] مفهومه و جائزة فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشدّ منهم قوّة فوصل بمن و وكد فكان هم