قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٥ - الفصل السابع في ذكر أوراد النهار
خلف من صاحبه، ففيه درك ما فات، و خلف ما سلف من الذكر و الشكر. و الذكر اسم جامع لأعمال القلوب كلها من مقامات اليقين، و مشاهدة العلوم من الغيب، و الشكر أيضا يستعمل على جمل أعمال الجوارح من شرائع الإسلام، و هذان جملة عمل العبد و كنه خدمته. و هذان المعنيان اللذان هما ذكرهما الكليم للجليل في قوله تعالى: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً. وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً [طه: ٣٣- ٣٤]. انتظم التسبيح و الذكر في جمل تصرف الجسم و تصرف القلب. و هذا الورد الخامس الذي هو ما بين العصرين من أطول الأوراد و أمتعها للعبادة و هو يضاهي الورد الثالث في الطول و هو أصيل النهار و أحد الآصال التي ذكر الله عزّ و جلّ فيه سجود كلّ شيء، و قرنه بالغدوّ فقال: وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ [الرعد: ١٥]. فما أقبح أن تكون الأشياء الموات لربها ساجدات ذاكرات و المؤمن الحي عن ربه معرض ذو غفلات. ثم ليصلّ قبل صلاة العصر أربعا و يغتنم الصلاة بين الأذان و الإقامة كما ذكرنا آنفا فإنها ساعة مرجوة فيها الإجابة فإذا دخل وقت العصر دخل العبد في الورد السادس من النهار و قد أقسم الله عزّ و جلّ به في قوله: وَ الْعَصْرِ [العصر: ١]. و هذا أحد المعنيين في الآية و هو أحد الوجهين من الوقت في الآصال الذي ذكره الله عزّ و جلّ، و هو العشي الذي ذكر الله عزّ و جلّ التسبيح فيه و التنزيه و الحمد له فقال: وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ [الروم: ١٨]. و قال بالعشي و الإشراق و ليس في هذا الورد صلاة إلا ما كان بين الأذانين ثم ينتقل بعد العصر فيما شاء من ذكر أو فكر من أعمال القلوب و الجوارح فيما فرض عليه أو ندب إليه. و أفضل ذلك تلاوة القرآن بتدبر و ترتيل و تفهّم و حسن تأويل. فإذا اصفرّت الشمس و مات حرها و ارتفعت إلى أطراف الجدر و رءوس الشجر فكانت مثلها حين تطلع دخل في الورد السابع من النهار. فهذا للتسبيح و الذكر و التلاوة و الاستغفار إلى غروب الشمس. و من أفضل ما قيل في هذا الوقت و في مثله من أول النهار أن يقال: أستغفر الله لذنبي و سبحان الله بحمد ربي. لجمعه بين الاستغفار و التسبيح في الكلام بلفظ الأمر بهما في القرآن لقوله تعالى: وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ [غافر: ٥٥]. و إن قال أستغفر الله الحي القيوم و أسأله التوبة سبحان الله العظيم و بحمده، فقد جاء فضل ذلك في الأثر و الأفضل الاستغفار على الأسماء كما في القرآن مثل أن يقول أستغفر الله إنّه كان غفّارا أستغفر الله إنّه كان توابا أستغفر الله إنّ الله غفور. أستغفر الله التّواب الرحيم رب اغفر و ارحم و أنت خير الراحمين. فاغفر لنا و ارحمنا. و أنت خير الغافرين. و هذا الورد في الفضل مثل الورد الأول من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. و هو المساء الذي ذكر الله تعالى التنزيه فيه فقال: فَسُبْحانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: ١٧]. أي سبحوا