قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٦٩ - فصل آخر
و لزوم السنّة، و هذه طريقة أهل الحديث. و هذا القول من الظواهر يشبه قول علماء الظاهر. كما روينا عن سفيان قال: قالوا للزهري: ما الزهد؟ قال: ما لا يغلب الحرام صبره و لا يمنع الحلال شكره يعني أين يكون العبد صابرا عن الحرام حتى لا تغلبه شهوة الحرام و يكون شاكرا في الحلال حتى لا يغلبه الحلال فيشغله عن الشكر. و أما الحسن فإنه قال: الزاهد هو الذي إذا رأى أحدا قال: هذا أفضل مني. فذهب إلى أن الزهد هو التواضع. و كان الفضيل يقول: القناعة هو الزهد. و قال أبو سليمان: الورع هو أوّل الزهد. و قال أحمد ابن أبي الحواري قلت: لأبي هشام المغازلي أيّ شيء الزهد قال: قطع الآمال و إعطاء المجهود و خلع الراحة. و كان يوسف بن أسباط يقول: من صبر على الأذى و ترك الشهوات و أكل الخبز من حلاله فقد أخذ بأصل الزهد. و قال أحمد: قلت لأبي صفوان الرعيني: ما الدنيا التي ذمّها الله تعالى في القرآن و ينبغي للعاقل أن يجتنبها؟ قال: كلّ ما عملت في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، و كل ما أصبت فيها تريد به الآخرة فليس منها. فحدثت به مروان فقال: الفقه ما قال أبو صفوان إنما قال ذلك لأن الدنيا كلّ شيء إلا الإخلاص. فما وافق العلم فهو مباح و ما خلفه فهوى، و الهوى حظّ النفس، و الإخلاص حظّ الربّ عزّ و جلّ فالمخلصون بيّنة الله عزّ و جلّ من عباده على عدوّه، و هم أهل الآخرة في الدنيا. و كان ابن السماك يقول: الزاهد قد خرجت الأفراح و الأحزان من قلبه، فهو لا يفرح بشيء من الدنيا أتاه و لا يحزن على شيء منها، فإنه لا يبالي على عسر أصبح أم على يسر. و قال أبو سعيد بن الأعرابي عن أشياخه الصوفية: إنما الزهد عندهم خروج قدر الدنيا من القلب إذ هي لا شيء و لا يكون في نفسه زاهدا لأنه لم يترك شيئا إذ كانت لا شيء، و هذا لعمري هو الزهد في الزهد لأنه زهد. ثم لم ينظر إلى زهده فزهده إذ لم ير شيئا لأنه زهد في لا شيء و هذا يشبه ما نقول: إن حقيقة الزهد هو الزهد في النفس لأنه قد يزهد في الدنيا لنفسه طلبا للعوض فيكون ذلك رغبة على صفة. فإذا زهد في النفس التي يريد لها الأعواض على الزهد فهو حقيقة الزهد و هذا يشبه قول من قال: إن حقيقة الزهد في الفناء هو الزهد في البقاء لأن العبد ربما زهد في الفناء فلم يزهد في البقاء فيكون فيه بقية من الرغبة فإذا زهد في البقاء فهو حقيقة الزهد في الفناء إذ كان الفناء يراد للبقاء. فصل آخر إن الرغبة في الهوى حقيقة الدنيا و إن كان العبد زاهدا في المال من قبل أنه يعطي الزهد في شيء دون شيء، كما يزهد في الثناء و لا يزهد في المال، و لا يعطي الزهد في الأطعمة و قد يعطى الزهد في المال، و لا يعطى الزهد في منصبه لغلبة الهوى. فإذا أعطي