قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦١ - الفصل الخامس و العشرون في ذكر تعريف النفس و تصريف مواجيد العارفين
و روينا عن علي رضي الله عنه: أنه قال كل يوم لا يعصى الله عزّ و جلّ فيه فهو لنا عيد و كان الحسن إذا تلا قوله تعالى: كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ في الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ. [الحاقة: ٢٤] قال: يا إخواني هي و الله أيامكم هذه فاقطعوها بالجد و الاجتهاد و لا تضيعوها فخلوها فراغا من حسن المعاملة و بطالتك فيها عن الشغل بمعادك المحصول عليك منها. كما قال المبطلون: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها يعني في الأيام الخالية التي هي محصولهم و مرجعهم و مثواهم. و كما قالت النفس الأمارة بالسوء: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله يعني أيام الدنيا التي ضيعت العمر فيها فخلت من الثواب و الجزاء غدا، و هذا أحد الوجهين في قوله الأيام الخالية، و الوجه الآخر الخالية أي الماضية خلت أوقاتها و خلدت أحكامها و ذهبت شهواتها و بقيت عقوباتها فإن قصرت عن هذه المحاسبة للحسيب و لم يكن لك مقام المراقبة للرقيب و لا مكان المحاسبة للحبيب فلا يفوتنّك مقام الورعين و لا تبن عن حال التائبين و هو أن تجعل لك وردين في اليوم و الليلة لمحاسبة النفس و موافقتها مرة بعد صلاة الضحى لما مضى من ليلتك و ما سلف من غفلتك، فإن رأيت نعمة شكرت الله و إن رأيت بلية استغفرت فإن وجدت في حالك أوصاف المؤمنين التي وصفهم الله عزّ و جلّ و مدحهم عليها رجوت و طمعت و استبشرت، و إن وجدت من قلبك و حالك وصفا من أوصاف المنافقين أو خلقا من أخلاق الجاهلين التي ذمهم الله عزّ و جلّ بها و مقتهم عليها حزنت و أشفقت و تبت من ذلك و استغفرت، و المرة الثانية أن تحاسب نفسك بعد الوتر و قبل النوم لما مضى من يومك من طول غفلتك و سوء معاملتك و ما فعلته من أعمالك كيف فعلتها و ما تركته من سكوتك و صمتك لم تركته و لمن تركته فتنعقد الزيادة و النقصان و تعرف بذلك التكلف و الإخلاص من حركتك و سكونك فما تحركت فيه و سكنت لأجل الله عزّ و جلّ به فهو الإخلاص ثوابك فيه على الله عزّ و جلّ عند مرجعك إليه فاعمل في الشكر على نعمة التوفيق و حسن العصمة من التهلكة و ما سكنت فيه أو تحركت لهواك و عاجل دنياك فهو التكلف، الذي أخبر رسول الله صلّى الله عليه و سلم أنه هو و الأتقياء من أمته برآء من التكلف و قد استوجبت فيه العقاب عند نشر الحساب إلا أن يغفر المولى الكريم الوهاب فاعمل حينئذ في الاستغفار بعد حسن التوبة و جميل الاعتذار و خف أن يكون قد وكلك إلى نفسك فتهلك. فلعل مشاهدة هذين المعنيين من خوف ما سلف منك و الطمع في قبول ما أسلفت يمنعك من المنام و يطرد عنك الغفلة فتحيي ليلتك بالقيام فتكون ممن وصف الله عزّ و جلّ في قوله: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً [السجدة: ١٦]. و قد قال بعض السلف: كان أحدهم يحاسب نفسه