قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٦ - باب تفضيل الأخبار و بيان طريق الإرشاد و ذكر الرخصة و السعة في النقل و الرواية
و عشرين و توفي في سنة إحدى و أربعين فلم يسمع أحد منه في هذه المدة إلا ابنه عبد الله و ابن منيع جزءا واحدا بشفاعة جده أحمد بن منيع. و حدثونا عنه أعني الإمام أحمد قال: كان عبد الرحمن ينكر الحديث ثم يخرج إلينا بعد وقت فيقول: هو صحيح قد وجدته. قال: و أما وكيع فلم ينكر و لكن يقول إذا سئل عنه لا أحفظه. و حدثونا عن ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي قال: كان خالي قد خط على أحاديث ثم صحح عليها بعد ذلك و قرأتها عليه فقلت: قد كنت خططت عليها قال: نعم. ثم تفكرت فإذا إني إن ضعفتها أسقطت عدالة ناقليها فإن جاءتني بين يدي الله تعالى و قال: لم أسقطت عدالتي رأيتني سمعت كلامي لم يكن لي حجة. هذا كان مذهب الورعين من السلف. و قد كان بعضهم يقول: كنا نترك مجالسة شعبة لأنه كان يدخلنا في الغيبة و إنما كان كلامه في التضعيف و قال بعضهم في تضعيف الرواة: إن خلصت نيتك يعني أن أردت الله عزّ و جلّ و الدين بذلك لم يكن لك و لا عليك فهذه الفصول الذي ذكرناها هي أصول في معرفة الحديث و هو علم لأهله و طريق هم سالكوه ثم حدثت قوم لم يكن لهم علم يختصون به و لا حال من علم يوصفون به و لا شغل من عبادة تقطعهم فجعلوا لنفوسهم علما تشاغلوا به و شغلوا من استمع إليهم فصنفوا كتبا و أخذوا يتكلمون في نقلة الأخبار بالتعليل و تتبع العثار فطرقوا لأهل البدع إلى ردّ السنن و إيثار الرأي و المعقول عليها لما يرون من طعنهم فيها و اغتبطوا بالقياس و النظر لما وجدوا من زهدهم في السنة و الخبر سيما في زمانك هذا و الأحاديث في الترغيب في الآخرة و التزهيد في الدنيا و الترهيب لوعد الله تعالى و في فضائل الأعمال و تفضيل الأصحاب متقبلة محتملة على كل حال مقاطيعها و مراسيلها لا تعارض و لا ترد. و كذلك في أهوال القيامة و وصف زلازلها و عظائمها لا تنكر بعقل بل تتقبل بالتصديق و التسليم كذلك كان السلف يفعلون لأن العلم قد دلّ على ذلك و الأصول قد وردت به. و قد روينا من بلغه عن الله فضيلة أو عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم و عمل به أعطاه الله ثواب ذلك و إن لم يكن ما قيل و الخبر الآخر من روى عني حقا فأنا أقوله و إن لم أكن قلته و من روى باطلا فإني لا أقول بالباطل. و في كل ما رسمنا من هذا الكتاب نقول: الله أعلم و أحكم و علمه المقدم و عنده حقائق العلوم و إليه ترجع الأمور و ما شاء كان و الله المستعان و لا حول و لا قوّة إلا باللّه. و هذا آخر كتاب العلم و تفصيل العلوم و وصف طريق السلف و نشر ما أحدث بعدهم الخلف.