قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٥٧ - الفصل الخامس و العشرون في ذكر تعريف النفس و تصريف مواجيد العارفين
الفصل الخامس و العشرون في ذكر تعريف النفس و تصريف مواجيد العارفين اعلم أن النقصان يبدو من الغفلة و الغفلة تنشأ من آفات النفس و النفس مجبولة على الحركة و قد أمرت بالسكون و هو ابتلاؤها لتفتقر إلى مولاها و تبرأ من حولها و قواها و مثل ذلك قوله تعالى: وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢] لتفزعوا إليه فتقولوا: ربنا أفرغ علينا صبرا و توفّنا مسلمين. و كما قال: وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [الإسراء: ١١] خُلِقَ الْإِنْسانُ من عَجَلٍ [الأنبياء: ٣٧] ثم قال: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء: ٣٧] و قال: أَتى أَمْرُ الله فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] فأخبر عن وصفه بالعجلة ثم أمره بتركها للبلوى، فإن نزلت السكينة و هي مزيد الإيمان سكنت النفس عن الهوى بإذن منفسها و إن حجب القلب بالغفلة و هي علامة على الافتقار و التضرع تحركت النفس بطبعها، فإن سكنت عن حركتها فبالمنة و الفضل و إن تحركت بوصفها فبالابتلاء و العدل، فأوّل البلاء اختلافها و أول اختلافها خلافها و مقدمته الهمة و بابه السمع و هو طريق إلى الكلام و النظر و القول طريق إلى الشهوة و الشهوة مفتاح الخطيئة و الخطيئة مقام من النار حتى يزحزح عنها الجبار بالتوبة في الدنيا و العفو في العقبي. و قد تكون المخالفة على المحب العارف أشد من النار كما حدثت عن بعضهم قال: لأن أبتلي بدخول النار أحبّ إليّ من أن أبتلي بمعصية. قيل: و لم؟ قال: لأن في المعصية خلاف ربي تعالى و سخطه و في النار إظهار قدرته و انتقامه لنفسه قال: فسخطه أعز علي و أعظم من تعذيب نفسي، و كذلك حدثونا في معناه عن بعض الموقنين من العمال أنه قال: ركعتان تتقبل مني أحبّ إلي من دخول الجنة. قيل: و كيف؟ قال: لأن في الركعتين رضا ربي عزّ و جلّ و محبته و في الجنة رضاي و شهوتي فرضا ربي عزّ و جلّ أحبّ إِليّ من محبتي. و قد قال وهيب بن الورد المكي في لبن سئل أن يشر به فلم يفعل لأنه سأل عن أصله فلم يستطبه فقالت له أمه: اشرب فإني أرجو إن شربته أن يغفر الله لك. فقال: ما أحب أني