قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٧ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
تغلب غضبي. و الأخبار المشهورة عن معاذ بن جبل و أنس بن مالك رضي الله عنهما: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، و من كان آخر كلامه قول: لا إله إلا الله لم تمسّه النار، و من لقي الله تعالى لا يشرك به شيئا حرمت عليه النار و لا يدخل النار من في قلبه وزن ذرة من إيمان. و قد قال في خبر آخر: لو يعلم الكافر سعة رحمة الله تعالى ما أيس من رحمته أحد و قد قال تعالى في حسن عفوه عن أكبر الكبائر بعد ظهور الآيات: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ من بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ [النساء: ١٥٣]. و قال في خطاب لطيف لأوليائه يعرفهم نفاذ أحكامه فيهم و جريان مشيئته عليهم: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البيّنات فاعلموا أن الله عزيز حكيم، عزيز لا يوصل إليه إلا به، حكيم حكم بمشيئته على عباده. ثم يغفر الذنوب جميعا فلا يبالي كما أجرى على من فضله على العالمين. مقالة الكافرين فلم يضرّهم مع تفضيله لهم إذ قالوا لموسى عليه السلام: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. فقال: أ غير الله أبغيكم إلها و هو فضّلكم على العالمين، و بهذا المعنى عارض عليّ كرّم الله وجهه رأس الجالوت لما قال له: لم تلبثوا بعد نبيكم عليه السلام إلا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف فقال عليّ كرّم الله وجهه: أنتم لم تجفّ أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. و روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم و ينفرهم. و قال في حديث آخر: بشّروا و لا تنفروا و يسّروا و لا تعسّروا. و لما وعظهم النبي صلّى الله عليه و سلم فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا الحديث. فهبط جبريل عليه السلام فقال: إن الله تعالى يقول: لم تقنط عبادي؟ فخرج إليهم رسول الله صلّى الله عليه و سلم فرجاهم و شوّقهم. و لما تلا الرسول صلّى الله عليه و سلم هذه الآية: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: ١] قال: أ تدرون أيّ يوم؟ هذا يوم يقال لآدم عليه السلام: قم فابعث نصيب النار من ذريتك. فقال: كم؟ قيل من كل ألف تسعمائة و تسعة و تسعين إلى النار و واحد إلى الجنة. قال: فبكوا يومهم ذلك و تركوا الأشغال و العمل. فخرج عليهم رسول الله صلّى الله عليه و سلم فقال: ما بالكم أنتم في الأمم مثل شعرة بيضاء في جلد ثور أسود. و الخبر المشهور: لو لم تذنبون لخلق الله تعالى خلقا يذنبون ليغفر لهم. و في لفظ آخر: لذهب بكم و جاء بقوم يذنبون فيغفر لهم. إنه هو الغفور الرحيم أي أن وصفه سبحانه و تعالى المغفرة و الرحمة، فلا بدّ أن يخلق مقتضى وصفه حتى يحق وصفه عليه هذا كما يقول في علم المعرفة: إن له سبحانه و تعالى من كلّ اسم وصفا و من كل وصف فعل، و في هذا سرّ المعرفة و منه معرفة الخصوص. و حكي لنا معناه عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه قال: خلا لي الطواف ذات ليلة،