قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٩ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
فلا يهلك على الله تعالى إلا هالك. و قد قال بعض العلماء: إن الله تعالى إذا غفر لعبد في موقف القيامة ذنبا غفر ذلك الذنب لكل من عمله. و قال النبي صلّى الله عليه و سلم: اعملوا و أبشروا و اعلموا أن أحدا لن ينجّيه عمله. و في الحديث الآخر: ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة و لا ينجّيه من النار. قالوا: و لا أنت يا رسول الله. قال: و لا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة و فضل. و روي عنه صلّى الله عليه و سلم: إني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. و في لفظ آخر أ ترونها للمصفين المتقين بل هي للمخلصين المتلوّثين و قال صلّى الله عليه و سلم لمعاذ و أبي موسى رضي الله عنهما، و قد بعثهما واليين على اليمن فأوصاهما فيما أمرهما به فقال يسرا و لا تعسرا و بشرا و لا تنفّرا. فعلم المؤمنين بكرم الله تعالى و خفيّ لطفه، و لطيف منه لا يقعدهم عن تأميله، و لا يقصر بهم عن رجاءه، و لا حسن ظنّهم به، و لا يقوى الخوف فيخرجهم إلى الأياس من رحمته، لأجل علمهم بجبريته و كبريائه، من قبل أن المهوب هو المحبوب فمحبته تؤنسهم و ترجيهم، و هيبته تزعجهم و تخيفهم فخوفهم في المهابة في لذاذة و نعيمهم بالحبّ في مهابة فهم في مقام الخوف و المحبة معتدلون، و بقوّة العلم بهما متمكنون، و في مشاهدة المخوف و المحبوب مستقيمون، و هذا المقام هو وصف العارفين من الموقنين، و هم أهل كمال الإيمان و صفوة خصوص ذوي الإيقان إذ قد عرفوا أن الله تبارك و تعالى كامل في صفاته لا يعتريه نقصان في وصف دون وصف و إنما الرحمة لسعة العلم، كما العلم لسعة القدرة لما شهدوا من وصفه بما سمعوا من كلامه أنه كان عليما قديرا. كذلك قال تعالى: وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً [غافر: ٧] و كذلك فهموا من قوله تعالى: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦] فدخلت جهنم و غيرها في توسعة الرحمة من حيث كنّ شيئا و قوله عزّ و جلّ: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الإسراء: ٤٤] معناه خصوص الرحمة، وصفها لا كنهها، إذ لا نهاية للرحمة، لأنها صفة الراحم الذي لا حدّ له، و لأنه لم يخرج من رحمته شيء كما لم يخرج من حكمته و قدرته شيء، لأن جهنم و النار الكبرى و غيرهما ليس كنه عذابه و لا كلية تعذيبه. فمن ظنّ ذلك به لم يعرفه، و لأنه لما أظهر من عذابه مقدار طاقة الخلق كما أنه أظهر من ملكه و نعمه مقدار مصالح الخلق و ما لا يصلح للخلق، و لا يطيقون إظهاره أكثر مما أظهر من النعيم و العذاب، بل لا ينبغي لهم أن يعرفوا فوق ما أبدى لأن نهاية تعذيبه و تنعيمه من نهاية ملكه الذي هو قائم به و ملكه عن غاية قدرته و سلطانه، و لا نهاية لذلك، و لا يطيق الخلق كلّه إظهار ذلك. و ذلك أيضا عن تعالي صفاته و بهاء أسمائه المتناهيات، و لا سبيل إلى كشف ذلك من