قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩١ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
محبتي أن تعطف على عبادي و تأخذ عليهم بالفضل هنالك. أكتبك من أوليائي و أحبابي و لا تنظر إلى عبيدي نظرة جفاء و لا قسوة. فإذا أنت قد أبطلت أجرك فاحفظ عني ثلاثا: خالص حبيبي مخالصة، و خالف أهل الدنيا مخالفة، و دينك فقلدنيه. و عن داود و غيره من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام: أحبّني و أحبّ من يحبني و حببني إلى خلقي. قال: يا ربّ هذا أحبّك و أحبّ من يحبّك. فكيف أحببك إلى خلقك؟ فقال عزّ و جلّ: اذكرني لحسن الجميل و اذكر آلائي و إحساني و ذكرهم ذلك فإنهم لا يعرفون مني إلا الجميل. و روي عن يزيد الرقاشي عن أنس: أن النبي صلّى الله عليه و سلم قال: ألا أخبركم عن أقوام ليسوا بأنبياء و لا شهداء يغبطهم الأنبياء و الشهداء بمنازلهم من الله تعالى على منابر من نور يعرفون عليها. قالوا: من هم؟ قال: الذين يحببون عباد الله إلى الله تعالى و يحببون الله عزّ و جلّ إلى عباده و يمشون في الأرض نصحاء. فقلنا هذا حببوا الله إلى عباده فكيف يحببون عباد الله إلى الله؟ قال: يأمرونهم بما يحبّ الله و ينهونهم عما حرم الله فإذا أطاعوهم أحبهم الله. و رؤي أبان بن عياش في النوم بعد موته، و كان من أكثر الناس حديثا بالرخص و أبواب الرجاء فقال: أوقفني ربي عزّ و جلّ بين يديه فقال: ما حملك على أن حدثت عني بما حدثت به من الرخص؟ قال: فقلت يا ربّ أردت أن أحبّبك إلى خلقك. قال: قد غفرت لك. و حدثت عن مالك بن دينار: أنه لقي أبانا فقال: إلى كم تحدث للناس بالرخص فقال: يا أبا يحيى إني لأرجو أن ترى من عفو الله تعالى يوم القيامة ما تخرق له كساءك هذا من الفرح. و في حديث ربعي بن حراش عن أخيه، و كان من خيار التابعين و هو ممّن تكلم بعد الموت. قال: لما مات أخي سجّي بثوبه و ألقيناه على نعشه فكشف الثوب عن وجهه و استوى قاعدا و قال: إن لقيت ربي عزّ و جلّ فحياني بروح و ريحان و ربّ غير غضبان، و إني رأيت الأمر أيسر مما تظنون و لا تغتروا فإن محمدا صلّى الله عليه و سلم ينتظرني و أصحابه حتى أرجع إليهم قال: ثم طرح نفسه فكأنه كانت حصاة وقعت في طست فحملناه فدفناه. و قال بكر بن سليمان: دخلنا على مالك رحمه الله تعالى في العشية التي قبض فيها فقلنا كيف تجدك؟ قال: ما أدري ما أقول لكم إلا أنكم ستعاينون غدا من عفو الله تعالى ما لم يكن لكم في حساب. قال: فما برحنا حتى أغمضناه و دفناه. و رؤي يحيى بن أكثم في النوم فقيل: ما فعل الله تعالى بك: فقال: أوقفني بين يديه و قال: يا شيخ السوء فعلت و فعلت قال: فأخذني من الرعب و الفزع ما يعلم الله تعالى، ثم قلت يا ربّ ما هكذا حدثت عنك.