قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٤ - الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل و الموصل من الكلام و فيه مدح العالمين و ذم الغافلين عنه و تفسير الغريب و المشكل من القرآن
ربّ. فأما من رفع اللام فقرأ و قيله فتكون مستأنفة على الخبر و جوابها الفاء من قوله: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ [الزخرف: ٨٩] أي قوله إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم. و قد تكون الواو في قوله و قيله للجمع مضمومة إلى علم الساعة و المعنى و عنده علم الساعة و عنده قيله يا رب جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى الثلاث في العربية و مما حمل على المعنى قوله عزّ و جلّ: فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً [الأنعام: ٩٦] ثم قال: وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً [الأنعام: ٩٦] فلو لم يحمل على المعنى لكانت الشمس و القمر خفضا اتباعا للفظ قوله فالق و جاعل و لكن معناه و جعل الشمس و القمر حسبانا و هي على قراءة من قرأ و جعل الليل سكنا متبعة لجعل ظاهر أو بمعناه قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ [المائدة: ٦] في قراءة من نصب اللام محمولا على معنى الغسل من قوله عزّ و جلّ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ [المائدة: ٦] أيضا. و من قرأ و أرجلكم خفضا حمله على اتباع الإعراب من قوله عزّ و جلّ: بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ [المائدة: ٦] فأتبع الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه الغسل لا المسح و اختيارنا نصب اللام في المقروء على نصب الغسل و اتباع الوجه و اليدين إلا أنه روي عن ابن عباس و أنس بن مالك نزل القرآن بغسلين و مسحين و سنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم غسل الأقدام فنحن نفعل كما فعل. و قوله عزّ و جلّ: وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ من رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى [طه: ١٢٩] من المقدم و المؤخر. فالمعنى فيه و لو لا كلمة سبقت من ربك و أجل مسمى لكان لزاما و به ارتفاع الأجل و لو لا ذلك لكان نصبا كاللزام فأخر لتحسين اللفظ و بمعناه قوله عزّ و جلّ: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها [الأعراف: ١٨٧] المعنى يسألونك عنها كأنك حفيّ بها أي ضنين بعلمها و مثله قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة: ١٠٦] أي نأت منها بخير فقدم بخير و أخر منها فأشكل و من المؤخر بعد توسط الكلام قوله عزّ و جلّ: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] في قراءة من وحد الفعل هو متصل بقوله عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً [الانشقاق: ٦] لتركبن طبقا عن طبق أي حالا بعد حال في البرزخ فأخر الأحوال للقرار في الدار و كذلك هو في قراءة من جمع فقال لتركبن أيها الناس فيكون الإنسان في معنى الناس كما ذكرناه آنفا، و يكون الجمع عطفا على المعنى و إنما وحد للجنس فكأنه قال يا أيها الناس لتركبن طبقا عن طبق فأخر هذا الخبر لما توسطه من الكلام المتصل بالقصة و معناه التقديم. و مثل هذا قوله عزّ و جلّ: وَ لَوْ لا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ [النساء: ٨٣] و قوله: إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ٨٣] هو متصل بقوله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إلَّا