قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦٢ - شرح مقام الشكر و وصف الشاكرين و هو الثالث من مقامات اليقين
[الشورى: ٢٧]. فعلى الموقن أن يشكر في القبض و المنع كما يشكر في العطاء و البسط ثم يشهد الشاكر بقلبه شهادة يقين و يعلم أن وصفه وصف العبودية و حكمه أحكام العبيد محكوم عليه بأحكام الربوبية و أنه لا يستحق على الله شيئا و أن الله عزّ و جلّ يستحقّ عليه كلّ شيء فالعبد خلقه و صنعته و الرب صانعه و مالكه. فإذا شهد العبد هذه الشهادة رأى للَّه عزّ و جلّ عليه كل شيء فرضي منه بأدنى شيء و لم ير له على الله تعالى شيئا فلم يقنع للَّه تعالى منه بشيء و لم يطالب مولاه بشيء. فكثرة الذكر و حسن الثناء و جميل النشر للنعماء و تعديد النعم و الآلاء هو شكر اللسان لأن معنى الشكر في اللغة هو الكشف و الإظهار يقال: كثر و شكر بمعنى إذا كشف عن ثغره فأظهره فيكون إظهار الشكر و كشفه باللسان ما ذكرناه كما جاء في الخبر ليس شيء من الأذكار يضاعف ما يضاعف الحمد. و في الحديث: من قال سبحان الله فله عشر حسنات، و من قال: لا إله إلا الله فله عشرون حسنة، و من قال: الحمد للَّه كتبت له ثلاثون حسنة ليس أن الحمد أعلى من التوحيد و لكن لفضل مقام الشاكر و لأن الله تعالى افتتح به كلامه في كتابه. و في الخبر: الحمد رداء الرحمن عزّ و جلّ. و في الخبر أفضل الذكر لا إله إلا الله، و أفضل الدعاء الحمد للَّه رب العالمين، و يكون أيضا ظهور الشكر و غلبته في القلب شكر القلب، و يكون شكر الله تعالى لعبده كشفه له ما ستره عنه و إظهاره له ما حجبه منه من العلوم و القدر و هو المزيد فيفيده ذلك حسن معرفته به سبحانه و تعالى و علوّ مشاهدته منه و كله يرجع إلى معنى الكشف و الإظهار. و أما شكر الجوارح للمنعم المفضل سبحانه و تعالى فهو أن لا يعصيه بنعمة من نعمه و أن يستعين بنعمته على طاعته و لا يستعين بها على معاصيه فيكون قد كفرها كما قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْراً [إبراهيم: ٢٨]. قيل: استعانوا بنعمه على معاصيه فالخلق لا يقدرون على تبديل نعمة الله عزّ و جلّ و لكن معناه: بدلوا شكر نعمة الله كفرا و هذا من المضمر معناه لظهور دليله عليه لأنه أمرهم بالطاعة بالنعم فخالفوه فعصوه بها فكان ذلك تبديلهم لما أمروا. و مثله قوله تعالى: وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٨٢] المعنى شكر رزقكم تجعلونه تكذيبكم برسل الله تعالى و هذا من المحذوف أيضا و هي في قراءة النبي صلّى الله عليه و سلم مظهرة مفسّرة. روينا عنه عليه السلام: أنه قرأ و تجعلون شكركم فهذا ظاهر و بمعناه: و من يبدّل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب أي يعاقب من كفر بالنعمة فضيّع شكرها