قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٥ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
و يصدون عن سبيل الله. قال: فالأحبار العلماء و الرهبان الزهاد. و قال سهل بن عبد الله: طلاب العلم ثلاثة، فواحد يطلب علم الورع مخافة دخول الشبهة عليه، فيدع الحلال خوف الحرام فهذا زاهد تقي، و آخر يطلب علم الاختلاف و الأقاويل فيدع ما عليه و يدخل فيما أباح الله تعالى بالسعة و يأخذ للرخصة، و آخر يسأل عن شيء فيقال: هذا لا يجوز فيقول: كيف أصنع حتى يجوز لي. فيسأل العلماء فيخبرونه بالاختلاف و الشبهة، فهذا يكون هلاك الخلق على يديه و قد أهلك نفسه و هم علماء السوء. و اعلم أن كل محب للدنيا ناطق بعلم فإنه آكل للمال بالباطل و كل من أكل أموال الناس بالباطل فإنه يصد عن سبيل الله لا محالة و إن لم يظهر ذلك في مقاله و لكنك تعرفه في لحن معناه بدقائق الصد عن مجالسة غيره و بلطائف المنع من طرقات الآخرة لأن حب الدنيا و غلبة الهوى يحكما عليه بذلك شاء أم أبى. و قال بعض العلماء: إن الله عزّ و جلّ يحب العالم المتواضع و يبغض الجبار من العلماء و من تواضع للَّه تعالى ورثه الله تعالى الحكمة. و في الخبر عن ابن مسعود: إن الله تعالى ليمقت الحبر السمين. و قال رسول الله لمالك بن الصيف: حبر من أحبار اليهود. فقال: نشدتك الله تعالى ألم تجد فيما أنزل تعالى على موسى عليه السلام أن الله تعالى يبغض الحبر السمين. و كان ابن الصيف سمينا فغضب عندها فقال: ما أَنْزَلَ الله عَلى بَشَرٍ من شَيْءٍ [الأنعام: ٩١]. ففيه نزلت هذه الآية تعريفا لبهته: قُلْ من أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ به مُوسى نُوراً [الأنعام: ٩١]. فقال له أصحابه: ويحك ما ذا قلت جحدت كتاب موسى فقال: إنه محكني فقلت ذلك و يقال ما آتى الله تعالى عبدا علما إلا أتاه معه حلما و تواضعا و حسن خلق و رفقا فذلك علامة العلم النافع. و قد روينا معناه في الأثر: من آتاه عزّ و جلّ زهدا و تواضعا و حسن خلق فهو إمام المتقين. و كان الحسن يقول: الحلم وزير العلم و الرفق أبوه و التواضع سرباله. و في أخبار داود عليه السلام: إن الله تعالى أوحى إليه يا داود لا تسألنّ عني عالما قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع طريق عبادي المريدين. يا داود إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي. يا داود إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما. يا داود من ردّ إليّ هارباً كتبته عندي جهبذاً و من كتبته جهبذاً لم أعذبه أبداً. و روينا عن عيسى عليه السلام: مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب الماء و لا تترك الماء يخلص إلى الزرع. و كذلك علماء الدنيا قعدوا على طريق الآخرة فلا هم نفذوا و لا تركوا العباد يسلكون الله عزّ و جلّ. قال: و مثل علماء السوء كمثل