قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٨٢ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
معلومه الله تعالى ففضله كفضل الله تعالى على ما سواه. و قد قال بعض الحكماء في معنى ما ذكرناه: من عرف الله تعالى فما ذا جهل و من جهل الله تعالى فما ذا عرف؟ فالعلماء باللّه تعالى هم ورثة الأنبياء لأنهم ورثوا عنهم الدلالة على الله تعالى فما ذا عرف؟ فالعلماء باللّه تعالى هم ورثة الأنبياء لأنهم ورثوا عنهم الدلالة على الله تعالى و الدعوة إليه و الاقتداء بهم في أعمال القلوب. و قد قال الله تعالى: وَ من أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى الله وَ عَمِلَ صالِحاً [فصلت: ٣٣]. و كما قال تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النحل: ١٢٥]. و كما أمره بالدعاء و أشرك معه أتباعه في الدعاء إلى الله تعالى لا في البصيرة فقال تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي [يوسف: ١٠٨]. و يحشرون يوم القيامة مع الأنبياء كما قال تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ من النَّبِيِّينَ [النساء: ٦٩]. و ما قال تعالى: وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ [الزمر: ٦٩]. ثم فسره فقال بما استحفظوا من كتاب الله و كانوا عليه شهداء. و قد روينا معناه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: إن أقرب الناس من درجة النبوّة أهل العلم و أهل الجهاد. أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الأنبياء و أما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل و علماء الدنيا يحشرون مع الولاة و السلاطين. و قد قال بعض السلف: العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء و القضاة يحشرون في زمرة السلاطين. و كان إسماعيل بن إسحاق القاضي من علماء أهل الدنيا و من سادة القضاة و عقلائهم و كان مؤاخيا لأبي الحسن بن أبي الورد. و كان هذا من أهل المعرفة فلما ولّى إسماعيل القضاء هجره ابن أبي الورد ثم إنه اضطر إلى أن دخل عليه في شهادة فضرب بن أبي الورد يده على كتف إسماعيل القاضي و قال: يا إسماعيل علم أجلسك هذا المجلس لقد كان الجهل خيرا منه. فوضع إسماعيل رداءه على وجهه و جعل يبكي حتى بلّه. و علماء الظاهر هم زينة الأرض و الملك و علماء الباطن زينة السماء و الملكوت و علماء الظاهر أهل الخبر و اللسان و علماء الباطن أرباب القلوب و العيان. و قال بعض العلماء: لما خلق الله تعالى اللسان قال هذا معقل خبري إن صدقني نجيته و لما خلق الله تعالى القلب قال هذا موضع نظري إن صفا لي صافيته. و قال بعض الخلف: الجاهل ينجو بالعلم و العالم ينجو بالحجة و العارف ينجو بالجاه. و قال بعض: العارفين: علم الظاهر حكم و علم الباطن حاكم، و الحكم موقوف حتى يجيء الحاكم يحكم فيه. و قد كان علماء الظاهر إذا أشكل عليهم العلم في مسألة لاختلاف الأدلة سألوا أهل العلم باللّه لأنهم أقرب إلى التوفيق عندهم و أبعد من الهوى و المعصية منهم: الشافعي