قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٠ - ذكر تقسيم الخواطر و تفصيل أسمائها
و إظهارا لما أخفاه من سابق علمه كما جعل أفعال العباد الظاهر كشفا و إظهارا لإرادته الباطنة. و روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: سبق العلم و جفّ القلم و قضى القضاء و تم القدر بالسعادة من الله تعالى لأهل طاعته و بالشقاء من الله تعالى لأهل معصيته. ذكر تقسيم الخواطر و تفصيل أسمائها فأما تسمية جملة الخواطر فما وقع في القلب من علم الخبر فهو إلهام و ما وقع من علم الشر فهو وسواس و ما وقع في القلب من المخاوف فهو الحساس و ما كان من تقدير الخير و تأميله فهو نية و ما كان من تدبير الأمور المباحات و ترجيها و الطمع فيها فهو أمنية و أمل و ما كان من تذكرة الآخرة و الوعد و الوعيد فهو تذكر و تفكير و ما كان من معاينة الغيب بعين اليقين فهو مشاهدة و ما كان من تحدث بمعاشها و تصريف أحوالها فهو هم و ما كان من خواطر العادات و نوازع الشهوات فهو لمم. و يسمّى جميع ذلك خواطر لأنه خطور همة نفس أو خطور عدوّ بحسد أو خطرة ملك بهمس. ثم إن ترتيب الخواطر المنشأة من خزائن الغيب القادحة في القلب على ستة معان، و هذه حدود الشيء المظهر ثلاثة منها معفوة و ثلاثة منها مطالب بها. فأول ذلك الهمة و هو ما يبدو من وسوسة النفس بالشيء يجده العبد بالحس كالبرقة فإن صرفها بالذكر امتحت و إن تركها بالغفلة كانت خطرة و هو خطور العدوّ بالتزيين و إن نفى الخاطر ذهب و إن ولي عنه قوي فصار وسوسة و هذا محادثة النفس للعدوّ و إصغاؤها إليه و إن نفى العبد هذه الوسوسة بذكر الله خنس العدوّ و صغت النفس، و هذه الثلاث معفوة برحمة الله تعالى غير مؤاخذ بها العبد و إن أمرج العبد النفس في محادثة العدوّ و طاولت النفس العود بالإصغاء و المحادثة قويت الوسوسة فصارت نية فإن أبدل العبد هذه النية بنية خير فاستغفر منها و تاب و إلا قويت فصارت عقدا فإن حلّ هذا العقد بالتوبة و هو الإصرار و الأقوى فصار عزما و هو القصد. و هذه الثلاثة من أعمال القلب مأخوذ بها العبد و مسئول عنها فإن تداركه الله تعالى بعد العزم و إلا تمكن العزم فصار طلبا و سعيا و أظهر العمل على الجوارح من خزائن الغيب و الملكوت فصار من أعمال الجسم في خزانة الملك و الشهادة. فهذه الأعمال توجد من أعمال البر و الإثم. فما كان منها من البر همة و نية و عزما كان محسوبا للعبد في باب النيات مكتوبا له في ديوان الإرادة له به حسنات و ما كان منها من الشر نية و عقدا و عزما فعلى العبد فيه مؤاخذة من باب أعمال القلوب و نيات السوء و عقود المعاصي و ليس شيء مجانس للعدوّ مؤاخ له إلا النفس جمع الله تعالى بينهما في الوسوسة بقوله: