قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٨ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
أرفع من علماء الألسنة و العلماء بالكتب أفضل من العباد بدرجة. و قد ضمهم الله تعالى إلى أنبيائه في النصرة له و الصبر معه في قوله تعالى: وَ كَأَيِّنْ من نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: ١٤٦]. ثم وصفهم بالثبات لأمره و القوة في دينه و الصبر لحكمه في تمام الآية و ربيون جمع ربي يقال ربي و رباني فجمع ربي ربيون و جمع رباني ربانيون. و كذلك جاء عن رسول الله: يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فقدم العلماء على الشهداء لأن العالم إمام أمة فله مثل أجور أمته و الشهيد عمله لنفسه. و في خبر آخر: حبر العلماء يوزن بدم الشهداء فأعلى حال الشهيد دمه و أدنى وصف العالم حبره. فسوى بينهما و زاد العالم على الشهيد بأعلى مقامه و كان علي عليه السلام يقول العالم أفضل من الصائم القائم و المجاهد في سبيل الله و إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه. و قد روينا معناه مسندا إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء ما طرد الليل و النهار إلا موت العالم بحم طمس و موت قبيلة أيسر من موت عالم ثم قال علي عليه السلام في حديث كهيل و متعلم على سبيل النجاة يعني مريدا طالبا للعلم متعلما من العلماء باللّه تعالى على طريق معاملة و إخلاص لطلب السلامة و أن ينجو من الجهل في الدنيا و من العذاب في الآخرة. ثم قال: و همج رعاع الهمج الفراش الذي يتهافت في النار لجهله واحدته همجة رعاع خفيف طياش لا عقل له يستنفزه الطمع و يستخفه الغضب و يزدهيه العجب و يستطيله الكبر ثم بكى علي عليه السلام و قال: هكذا يموت العلم بموت حامليه ثم تنفس عند وصف الربانيين فقال: وا شوقاه إلى رؤيتهم يعني الربانيين من العلماء و قد ذكرنا هذا الحديث بطوله في الباب الذي قبل هذا، فهؤلاء الذين بكى عليهم شوقا هم الذين اشتاق رسول الله صلّى الله عليه و سلم إليهم قبله فقال: وا شواقاه إلى لقاء إخواني و وددت أني قد رأيت إخواني. ثم قال: هم قوم يجيئون بعدكم. ثم وصفهم فإنما كانوا إخوانه لأن قلوبهم على قلوب الأنبياء عليهم السلام و أخلاقهم بمعاني صفات الإيمان و هم أبدال هذه الأمة جاء في وصفهم ما يجل عن الوصف هم على ثلاث طبقات: صديقون، و شهداء، و صالحون. و إن منهم من قلبه على قلب إبراهيم الخليل و منهم من قلبه على قلب موسى الكليم و عيسى الروح و محمد الحبيب صلوات الله عليهم و سلم أجمعين، و منهم على قلب جبريل و ميكائيل و إسرافيل و الأخوة تقع بين الاثنين في المجالسة و قرب الشبه في الأفعال و الأخلاق كما قال الله عزّ و جلّ: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحشر: ١١] لما كانوا على أوصافهم في القلوب من أسرار الكفر و اعتقاد الشك جعلهم