قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٣ - الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل و الموصل من الكلام و فيه مدح العالمين و ذم الغافلين عنه و تفسير الغريب و المشكل من القرآن
كلهم و هذا أحب الوجهين إليّ لقوله عزّ و جلّ: لِيُعَذِّبَ الله الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْمُشْرِكِينَ وَ الْمُشْرِكاتِ [الأحزاب: ٧٣] و مثله قوله عزّ و جلّ: وَ إِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها [الشورى: ٤٨] معناه و إنا إذا أذقنا الناس منا رحمة فرحوا بها فلما وحد الاسم وحد نعته دل عليه قوله تعالى: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [الشورى: ٤٨] فأظهر الجمع و من الجمع المراد به الواحد قوله عزّ و جلّ: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] يعني نوحا وحده لأنه لم يرسل إلى قوم نوح غيره و دلّ عليه قوله تعالى: إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ [الشعراء: ١٠٦]. فوحّد الجمع و مثله فما أوجفتم عليه من خيل و لا ركاب و لكن الله يسلط رسله على من يشاء يعني بذلك النبي صلّى الله عليه و سلّم وحده يوم خيبر و من الجمع المكني قوله عزّ و جلّ: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ [غافر: ٥٧] يعني في هذا الموضع الدجال و نزل ذلك في الذكر الدجال و استعظامهم لوصفه و كذلك قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: ١٧٣] يعني رجلا واحدا قاله لهم و هو عروة بن مسعود الثقفي، فجمع لفظه لأجل جنسه و العرب تجمع الواحد للجنس. و كذلك قيل في أحد الوجوه إن قوله عزّ و جلّ: ثُمَّ أَفِيضُوا من حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [البقرة: ١٩٩] يعني آدم صلّى الله عليه و سلّم وحده و هو أوّل من طاف بالبيت و أتاه جبريل و أشعر له المناسك و قد قرأت في بعض حروف السلف من حيث أفاض آدم فهذا شاهد له و من المقدم و المؤخر لحسن تأليف الكلم و مزيد البيان و الإظهار قوله عزّ و جلّ: من كَفَرَ بِاللَّهِ من بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا من أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً [النحل: ١٠٦] اختصاره و مؤخره من كفر باللّه بعد إيمانه و شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان و لكن وكد بقوله و لكن من شرح بالكفر صدرا لما استثنى المكره و قلبه مطمئن بإيمان و لم يجعل المكره آخر الكلام لئلا يليه قوله: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ من الله [النحل: ١٠٦] فيتوهم انه خبره و جعل آخر الكلام فعليهم غضب من الله و هو في المعنى مقدم خبر الأوّل من قوله من كفر باللّه من بعد إيمانه فأخر ليليه قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ [النحل: ١٠٧] لأنه من وصفهم فيكون هذا أحسن في تأليف الكلام و سياق المعنى و كذلك قوله تعالى: وَ قِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ [الزخرف: ٨٨]. هذا من المعطوف المضمر و من المقدم و المؤخر فعاطفه قوله و عنده علم الساعة و ضميره قوله و علم قيله و المعنى و عنده علم الساعة و علم قيله يا ربّ هذا على حرف من كسر اللام فأما من نصبها فإنه مقدم أيضا و محمول على أن المعنى أي و عنده علم الساعة و يعلم قيله يا