قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٥ - الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
حتى يفرغ منه فإن لم يجد فإنه لا يخلو من نوادب و فضائل فيبتدئ بالأفضل فإن لم يكن عمل في أدنى الفضيلتين فليأخذ العبد من نفسه لنفسه و من يومه لأمسه و من ساعته ليومه و من دنياه لآخرته، كما أمره مولاه في قوله سبحانه و تعالى: وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيا [القص ٧٧] أي لا تترك أن تأخذ نصيبك للآخرة من دنياك و هو أن تحسن كما أحسن الله إليك و لاتطلب الفساد في الدنيا فتكون قد نسيت نصيبك من الدنيا و لا تترك أن تأخذ نصيبك من الآخرة فيتركك الله من جزيل ثوابه الذي أعد لأحبابه كما قال: نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] أي تركوه فتركهم. و تركهم له ترك نصيبهم منه و تركه عزّ و جلّ لهم ترك محابهم من الآخرة فيبتدئ العبد الفطن فيأخذ من عمره و وقته فيجعله لآخرته التي أيقن بها ثم يأخذ من وقته أعلى ما فيه مما يختص به الوقت و لا يوجد إلا فيه و يفوت دركه بفوت وقته و هو أفضل ما يقدر عليه مما أدّاه علمه إليه فيجعله لمولاه، ثم إن العبد لا يخلو في كل وقت و إن قل من أحد مقامين، مقام نعمة، أو مقام بلية فحاله عن مقام النعمة الشكر و حاله عن مقام البلية الصبر، ثم ليس يفقد أحد مشاهدتين شهود نعمة أو شهود منعم من حيث لا يخلو من وجود مالك و حضور مملوك فعليه الخدمة للموجود و عليه الحضور في خدم المعبود و المراقبة علامة الحضور و المحاسبة دليل المراقبة و يكون له أيضا في أدنى أوقاته و هو الوقت الثالث الذي هو لمباحه و هو أدنى أحوال المؤمن يكون له فيه مشاهدة منعم أو شهود نعمة لئلا يذهب وقته هذا أيضا فارغا من دنياه و لا يعود عليه شيء من ذكر مولاه أو يذكر نعمة تدله على منعم أو تخرجه إليه فينفعه ذلك في عقباه إذ العاقبة للمتقين فإن شهد منعما اقتطعه الحياء بالسكينة و الوقار للهيبة و هذا مخصوص بخصوص، و إن شهد نعمة استغرقه بالشكر و الاعتبار فكان لديه تبصرة و تذكار، و هذا العموم الخصوص قال الله عزّ و جلّ في وصف الأولين: وَ من كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩] ففروا إلى الله، و قال في المقام الثاني: وَ لا تَجْعَلُوا مَعَ الله إِلهاً آخَرَ [الذاريات: ٥١] و قال في مقام الأوّلين: قُلْ من بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ يُجِيرُ وَ لا يُجارُ عَلَيْهِ [المؤمنون: ٨٤] إلى قوله: أَ فَلا تَتَّقُونَ [الأعراف: ٦٥] و قال في وصف الآخرين؟: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَ من فِيها [المؤمنون: ٨٤] إلى قوله: قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ [المؤمنون: ٨٥]. و قد روينا في الأثر في صفات العاقل و حال المراقب و حشو الأوقات بما ينبغي أن تملأ به جمل ما ذكرناه من حديث أبي ذر الطويل و لا يكون المؤمن ظاعنا إلا في ثلاث: تزوّد لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم و بمعناه و على العاقل أن يكون له أربع