قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٦ - الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
ساعات: ساعة يناجي فيها ربه عزّ و جلّ، و ساعة يحاسب فيها نفسه، و ساعة يفكر في صنع الله عزّ و جلّ، و ساعة يخلو فيها للمطعم و المشرب، فإن في هذه الساعة عونا له على الساعات و فيه أيضا ثلاث مجملات من صفة العاقل و من علامة العاقل أن يكون مقبلا على شانه حافظا للسانه عارفا بزمانه و في بعضها مكرما لإخوانه فأوّل وقت المباح من الأوقات فالنوائب و الحاجات تطرقه به و الفاقات تدخله عليه فلا يتكلفه قبل وقته فيشغله عن وقته ثم إن العباد في مشاهدة الملك على أربع مقامات: كل عبد يشهد الملك من مقامه بعين حاله فمنهم من ينظر إلى الملك بعين التبصرة و العبرة فهؤلاء أولو الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب و هم أولو الأيدي و الأبصار الذين أقامهم مقام الاعتبار و هذا مقام العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، و منهم من ينظر إلى الملك و أهله بعين الرحمة و الحكمة و هذا مقام الخائفين، و منهم من ينظر إلى الملك و أهله بعين المقت و البغضة و هذا مقام الزاهدين و منهم من ينظر إلى الملك بعين الشهوة و الغبطة و هذا مقام الهالكين و هم أبناء الدنيا الذين لها يسعون و على فوتها يتحسرون، فإن أعطى العبد النظر إلى الملك بعين العبرة و الحكمة أدخله الملك على الملك فاستغنى به عما سواه و إن أعطى الخائف النظر إلى الملك بعين الرحمة اغتبط بمقامه و عظمت لربه تعالى عليه النعمة و إن أعطى الزاهد النظر إلى الملك بعين البغضة أخرجه الملك عن الملك بالزهد فيه فعوّضه من فوت الملك الصغير درك الملك الكبير، و من ابتلى بالنظر إلى الملك بعين الغبطة و الحسرة أوقعه الملك في الهلكة فسلك طريق المهالك، و من شاهد معنى خلق من أخلاق الذوات أو معنى وصف من الصفات كان مقتضاه ما يوجب الخلق أو الوصف من شهود نعيم أو عذاب و هو مقام له في التعريف يرفعه إلى مقام التعرف و هذه شهادة العارفين من كل ما شهدوه من الأفعال التي تدل على معاني الأخلاق و الأوصاف لأنه أظهرها عنه ليستدل عليه بها و ينظر إليه منها فأما من شهد شهوة من شهوات النفس بعين الهوى أخرجته إلى الأهواء فتخطفه الشياطين و هوت به الريح في مكان سحيق و تنكب طريق المسالك إلى المولى التي تخرجه إلى القريب و تقعده عند الحبيب في مقعد صدق عند مليك مقتدر. فمن فاته القرب وقع في التيه و البعد فهو اليائس المغبون الخائن المفتون الذي يكون أبدا يومه شرّا من أمسه و غده شرّا من يومه. فالموت خير له من حياته لأن حياته عن الحبيب تبعده و بقاءه عن السبيل يصده و وجده لهواه يفقده و ظهور نفسه عليه من السوابق يقعده لأنه إذا كان في إدبار و كان إدباره في إقبال فقد فاته عمره عن آخره كفوت وقت واحد و فوت شيء واحد لأن العمر ليس مما يتأتى فوته دفعة واحدة كشيء واحد لأنه ينشأ وقتا بعد وقت و إنما يفوت جزءا