قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٤ - ذكر نوع آخر من البيان
حسب علوّهم في اليقين و على قدر قوّتهم و مكانهم من التمكين إلا أن أصول معاني الخير و أواسطها إلهام الملك و الإلقاء في الروح و قوادح الأنوار في كتب الإيمان و فروعها الآخرة و العلم مما أمر به أو ندب إليه و المباح و أصول معاني الشر أضدادها أواسطها النفس و العدوّ و أسبابها الشهوة و الهوى يظهرن عن الجهل و يوقعن الحجاب و يصدرن إلى عقاب. فإذا أراد الله تعالى إظهار خير من خزانة الروح حركها فسطعت نورا في القلب فأثرت فينظر الملك إلى القلب فيرى ما أحدث الله تعالى فيه فيظهر مكانه فيتمكن على مثال فعل العدوّ في خزانة الشر، و هي النفس. و الملك مجبول على الهداية مطبوع على حب الطاعة كما أن العدو مجبول على الغواية مطبوع على حب المعصية فيلقي الملك الإلهام و هو خطوره على القلب بقدح خواطره يأمر بتقييد ذلك و يحسنه له و يحثه عليه و هذا هو إلهام التقوى و الرشد و ينظر الملك إلى اليقين كما ينظر العدو إلى النفس فيشهد اليقين للملك بذلك فيطمئن العقل و يسكن إلى شهادة اليقين و يصير العقل الآن بإذن الله تعالى مع الملك بتأييد الله تعالى كما كان مع النفس أول مرة مطمئنا إليها فينشرح الصدر لطمأنينة العقل فتظهر أدلة العلم لانشراح الصدر فيقوى سلطان اليقين لصفاء الإيمان و تندرج ظلمة الهوى في نور اليقين و تنطفئ شعلة الشهوة لظهور نور الإيمان و يزين الإيمان بزينة الحياء فتضعف صفات النفس لسقوط الشهوة و يقوى القلب لضعف النفس و يزيد الإيمان بقوّة اليقين و ظهور أدلة العلم فتغلب الهداية لمزيد الإيمان و لبسة الحياء فتظهر الطاعة لغلبة الحق و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون. ذكر نوع آخر من البيان و قد تختلف اللمتان من الملك و العدوّ و يتفاوت الإلهام و الوسوسة في المعاني من الخير و الشر، فربما تقدمت لمة العدوّ بالأمر بالشر و تقدح بعدها لمة الملك نصرة للعبد و تثبيتا على الخير و عناية من الرب تعالى فينهى عن ذلك. فعلى العبد أن يعصي الخاطر الأوّل و يطبع الخاطر الثاني. و قد يتقدم إلهام الملك بالأمر بالخير ثم يقدح بعده خاطر العدوّ بالنهي عنه و التثبيط و الإملاء فيه بالتأخير محنة من الله تعالى للعبد لينظر كيف يعمل و حسدا من العدوّ فعليه أن يطيع الخاطر الأوّل و يعصي الخاطر الثاني. ثم تدق الخواطر من إلهام الملك بالخير و من وسوسة العدوّ بالشر. و قد يتفاوت ذلك من ضعف خاطر الخبر لقوّة الرغبة في الدنيا و من قوّة خاطر الشر لقوّة الشهوة و الهوى و في المزيد و النقص منهما و التقديم و التأخير بهما لتفاوت الأحكام و الإرادة من الحاكم و من قبل تقليب القدرة