قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٨٦ - ذكر أحزاب القرآن و كيف حزبه الصحابة رضي الله عنهم
و الحزب الثاني خمس سور، و الحزب الثالث سبع سور، و الرابع تسع سور، و الخامس إحدى عشرة سورة، و السادس ثلاث عشرة سورة، و المفصل من ق. فهذه كانت أحزاب القرآن و لذلك حزبه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. و كانوا يقرءونه كذلك. و في ذلك خبر عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم و كأنه حزبه على عدد هذه الآي إذ عددها ستة آلاف و مائتان و ست و ثلاثون آية. و قد اعتبرت ذلك في كل حزب فرأيته يتقارب، و هذا قبل أن تعمل الأخماس و العواشر و الأجزاء فما سوى هذا محدث يقال: إن الحجاج جمع قرّاء البصرة و الكوفة منهم: عاصم الجحدري، و مطر الوراق، و شهاب بن شريفة فأمرهم بذلك. و قد كان الحسن و ابن سيرين ينكران هذه الأخماس و العواشر و الأجزاء. و روي عن الشعبي و إبراهيم كراهية النقط بالحمرة و أخذ الأجر على ذلك و كانوا يقولون جردوا القرآن. و قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: كان القرآن مجردا في المصاحف، فأول ما أحدثوا فيه النقط على الباء و التاء و قالوا: لا بأس به فإنه نور له ثم أحدثوا بعده نقطا كبارا عند منتهى الآي فقالوا: لا بأس به يعرف به رأس الآي ثم أحدثوا بعد ذلك الخواتيم و الفواتح و قالوا: لا بأس به لأنها علامة تعرف بها و اعلم أنه لا يجد فهم القرآن الفهم الذي يكشف بمشاهدته و يظهر من الملكوت قدره عبد فيه إحدى هذه الخصال أدنى بدعة أو مصر على ذنب أو عبد في قلبه كبرا و مقارب لهوى قد استكن في قلبه أو محب الدنيا أو عبد غير متحقق بالإيمان أو ضعيف اليقين و لا من هو واقف مع مقرئه و لا عبد مهتم يتبع حروفه و اختياره و لا ناظر إلى قول مفسر ساكن إلى عمله الظاهر و لا راجع إلى معقوله و لا قاض بمذاهب أهل العربية و اللغة في باطن الخطاب و سر المرء و هؤلاء كلهم محجوبون بعقولهم مردودون إلى ما يقدر في علومهم موقوفون مع ما تقرر في عقولهم مزيدهم على مقدار علومهم و غرائز عقولهم و هؤلاء مشركون بعقولهم و معلومهم عند الموحدين فهذا داخل في الشرك الخفي الذي أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء. قال محمد بن علي بن سنانة إذ معقوله و علمه عن عقل غير كامل لأن العقل الكامل ما عقل عن الله عزّ و جلّ و فهم حكمه و كلامه. و يعقل به كلامه و قد قال الرسول صلوات الله عليه في صفة كمال العقل العاقل: من عقل عن الله سبحانه و تعالى أمره و نهيه. و في الخبر أكثر منافقي أمتي قراؤها فهذا نفاق الوقوف مع سوى الله تعالى و النظر إلى غيره لإنفاق الشرك و الإنكار لقدرة الله عزّ و جلّ فهو لا ينتقل عن التوحيد و لكنه لا ينتقل إلى مقام المزيد فإذا كان العبد ملقيا السمع بين يدي سميعه مصغيا إلى سرّ كلامه شهيد القلب لمعاني صفات شهيده ناظرا إلى قدرته تاركا لمعقوله و معهود علمه متبرئا من حوله و قوته معظما للمتكلم واقفا على حضوره مفتقرا إلى الفهم بحال مستقيم و قلب سليم