قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦٣ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
ثلاثا تمت النعمة به على المتعلم الصبر و التواضع و حسن الخلق، و إذا جمع المتعلم ثلاثا تمت النعمة به على العالم العقل و الأدب و حسن الفهم و الله أعلم. ذكر وصف العلم و طريقة السلف و ذم ما أحدث المتأخرون من القصص و الكلام لا بدّ للعالم باللّه تعالى من خمس هي علامة علماء الآخرة: الخشية، و الخشوع، و التواضع، و حسن الخلق، و الزهد. قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] و قال تعالى: خاشِعِينَ لِلَّهِ [آل عمران: ١٩٩] الآية فلا بدّ له من التواضع و حسن الخلق. قال الله عزّ و جلّ: وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [الحجر: ٨٨- ٨٩]. و قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ من الله لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩] الآية و الزهد في الدنيا. قال الله تعالى: الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ الله خَيْرٌ فمن وجد فيه هذه الخلال فهو من العلماء باللّه عزّ و جل و اعلم أنه إنما يستبين العالم عند المشكلات في الدين و يحتاج إلى العارف عند شبهات حاكت الصدور كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لا تزالون بخير ما إذا حاك في صدر أحدكم شيء وجد من يخبره به و يشفيه منه و ايم الله أوشك أن لا تجدوا ذلك. و كما قال له رسول الله صلّى الله عليه و سلم: أي الناس أعلم فقال: الله و رسوله أعلم. فقال أعلمهم بالحق إذا اشتبهت الأمور و وقعت المشكلات، و إن كان يزحف على استه. فكذلك إذا اختلف الناس و إن كان في عمله تقصير و كما قال في حديث عمران بن حصين: إن الله تعالى يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات و العقل الكامل عند هجوم الشهوات و يحب السخاء و لو على تمرات و يحب الشجاعة و لو على قتل الحيات، و قد حصلنا في زماننا هذا في مثل ما خافه ابن مسعود لأن مشكلة لو وردت في معاني التوحيد و شبهة لو اختلجت في صدر مؤمن من معاني صفات الموحد و أردت كشف ذلك على حقيقة الأمر بما يشهده القلب الموفق و يثلج له الصدر المشروح بالهدى كان ذلك عزيزا في وقتك هذا و لكنت في استكشاف ذلك بين خمسة نفر، مبتدع ضال يخبرك برأيه عن هواه فيزيدك حيرة، أو متكلم يفتيك بقصور علمه عن شهادة الموقنين و بقياس معقوله على ظاهر الدين و هذا شبهة فكيف تنكشف به شبهة، أو صوفيّ شاطح تائه غالط يجاوز بك الكتاب و السنة لا يباليهما و يخالف بقوله الأئمة لا يتحاشاها فيجيبك بالظن و الوسواس و الحدس و التمويه و يمحو الكون و المكان و يسقط العلم و الأحكام و يذهب الأسماء و الرسوم. و هؤلاء تائهون في مفازة التيه لم يقفوا على الحجة قد غرقوا في بحر التوحيد لم يجعلوا أئمة المتقين و لا حجة للمتقين و هذا ساقط القول إذ ليس معه حجة و لا هو على سنن