قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦١ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
فذلك في الدرك السابع من النار عليك بالصمت فيه تغلب الشيطان و إياك أن تضحك من غير عجب أو تمشي في غير أرب. و قد روينا حديثا يدل على أوصاف علماء الآخرة و فيه أصول ما يدعون الخلق إليه من مقامات الإيمان و أسباب الدين و الإيقان. رويناه عن شقيق بن إبراهيم البلخي عن عباد بن كثير عن أبي الزبير عن جابر ذكره عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم و واقفته أنا على جابر بن عبد الله قال: لا تجلسوا عند كل عالم إلا عالم يدعوكم من خمس إلى خمس من الشك إلى اليقين و من الرياء إلى الإخلاص و من الرغبة إلى الزهد و من الكبر إلى التواضع و من العداوة إلى النصيحة و مما يدلك أن علم اليقين و التقوى و علم المعرفة و الهدى هو العلم المذكور. المقصود عند السلف أن الصحابة و التابعين كانوا يشفقون من فقد ذلك و يخافون عدمه و يخبرون عن رفعه و قلته في آخر الزمان و إنما يعنون بذلك علم القلوب و المشاهدات الذي هو نتيجة التقوى و علم المعرفة و اليقين الذي هو من مزيد الإيمان و ثمرة الهدى. فإذا فقد المتقون و قل الخائفون و عدم الزاهدون ذهبت هذه العلوم لأنها قائمة بهم موجودة عندهم هم أربابها و الناطقون بها و هي أحوالهم و طرائقهم هم السالكون لها و القائمون بها فلأجل معرفة الصحابة و التابعين عزة ذلك كانوا يبكون على فقده. و قد وصف الله العلماء بالزهد في الدنيا و الاستصغار لها و بعمل الصالحات و الإيمان بها كما وصف أبناء الدنيا بالرغبة فيها و الاستعظام لها قال تعالى في معنى ذلك: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ الله خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً. ثم قال عزّ و جل: وَ لا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ [القص ٨٠]. أي لا يلقى هذه الحكمة إلا الصابرون عن زينة الدنيا التي خرج فيها قارون. و روينا عن جندب بن عبد الله البجلي قال: كنا عند رسول الله صلّى الله عليه و سلم غلمانا حزاورة فيعلمنا الإيمان قبل القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا. و عن ابن مسعود قال: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملا و سيأتي قوم يثقفونه تثقيف الغناء ليسوا بخياركم. و في لفظ آخر: يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه و لا يتأجلونه. و روينا عن ابن عمر و غيره لقد عشنا برهة من دهرنا و إن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن و تنزل السورة فيتعلم حلالها و حرامها و آمرها و زاجرها و ما ينبغي أن يتوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن و لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما آمره و لا زاجره و ما ينبغي أن يقف عنده و ينثره نثر الدقل. و في الخبر الآخر بمعناه: كنا