قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٣ - باب تفضيل الأخبار و بيان طريق الإرشاد و ذكر الرخصة و السعة في النقل و الرواية
باب تفضيل الأخبار و بيان طريق الإرشاد و ذكر الرخصة و السعة في النقل و الرواية جميع ما ذكرناه في هذا الكتاب من الأخبار عن النبي صلّى الله عليه و سلّم ثم عن الصحابة و عن التابعين و تابعيهم رسمناه حفظا و سقناه على المعنى إلا يسيرا اتفق وجوده في أيدينا و قرب تناوله منا من أخبار فيها طول فإنا نقلناها من مواضعها و ما بعد علينا فلم نفقة و لم نشغل همتنا به فما كان فيه من صواب و بيان و تثبت فمن الله تعالى بحسن توفيقه و قوّة تأييده، و ما كان فيه من خطأ و عجلة و هوى فمنا بالسهو و الغفلة و من عمل الشيطان بالعجلة و النسيان. كذلك روينا عن ابن مسعود رضي الله عنه في قضيته التي قضاها برأيه و قولنا لرأيه تبع. و روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: البيان و التثبت من الله عزّ و جلّ و العجلة و النسيان من الشيطان يعني بواسطته و بقلة التوفيق. و لم أعتبر ألفاظ الأخبار في أكثره و لم آل عن سياق المعنى في كله إذ ليس تحرير الألفاظ عندي واجبا إذا أتيت بالمعنى بعد أن تكون عالما بتصريف الكلام و بتفاوت وجوه المعاني مجتنبا لما يكون به تحريف أو إحالة بين اللفظين. و قد رخص في سوق الحديث على المعنى دون سياقه على اللفظ جماعة من الصحابة منهم: علي و ابن عباس و أنس بن مالك و واثلة بن الأسقع و أبو هريرة ثم جماعة من التابعين يكثر عددهم منهم: إمام الأئمة الحسن البصري ثم الشعبي و عمرو بن دينار و إبراهيم النخعي و مجاهد و عكرمة رضي الله عنهم نقلنا ذلك عنهم في كتب سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ. و قال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة المعنى واحد و الألفاظ مختلفة. و لذلك اختلف الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم فمنهم من يرويه تاما و منهم من يجيء به مختصرا و منهم من يرويه على المعنى و بعضهم يغاير بين اللفظتين و يراه واسعا إذا لم يخالف المعنى و لم يحل البغية و كلهم لا يتعمد الكذب و جميعهم يقصد الصدق و معنى ما سمع و لا يحيل البغية فلذلك وسعهم و كانوا يقولون: إنما الكذب على من تعمّده. و قد روينا عن عمران بن مسلم قال: قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إنك تحدث بالحديث أنت أحسن له سياقا و أجود تحبيرا و أفصح به لسانا منا إذا حدثتنا به. فقال: إذا أصبت المعنى فلا بأس بذلك. و قد قال النضر بن شميل: كان هشام لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة يعني بالإعراب و كان النضر نحويا و نحن قائلون في جميع ما رويناه أو