قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٤ - الفصل السابع و العشرون فيه كتاب أساس المريدين
الفصل السابع و العشرون فيه كتاب أساس المريدين قال بعض العلماء: الخلق محجوبون بثلاث، حب الدرهم، و طلب الرئاسة و طاعة النساء. و قال بعض العارفين: الذي قطع العباد عن الله عزّ و جلّ ثلاثة أشياء، قلة الصدق في الإرادة. و الجهل بالطريق، و نطق علماء السوء بالهوى. و قال بعض علمائنا: إذا كان المطلوب محجوبا و الدليل مفقودا و الاختلاف موجودا لم ينكشف الحق، و إذا لم ينكشف الحق تحير المريد. و اعلم أن المريد لا بدّ له من خصال سبع: الصدق في الإرادة و علامته إعداد العدة و لا بدّ له من التسبب إلى الطاعة و علامة ذلك هجر قرناء السوء و لا بدّ له من المعرفة بحال نفسه و علامة ذلك استكشاف آفات النفس و لا بدّ له من مجالسة عالم باللّه و علامة ذلك إيثاره على ما سواه و لا بد له من توبة نصوح فبذلك يجد حلاوة الطاعة و يثبت على المداومة و علامة التوبة قطع أسباب الهوى و الزهد فيما كانت النفس راغبة فيه و لا بدّ له من طعمة حلال لا يذمّها العلم و علامة ذلك الحلال المطالبة عنه و حلول العلم فيه يكون بسبب مباح وافق فيه حكم الشرع و لا بدّ له من قرين صالح يؤازره على ذلك و علامة القرين الصالح معاونته على البر و التقوى و نهيه إياه عن الإثم و العدوان. فهذه الخصال السبع قوّت الإرادة لا قوام لها إلا بها و يستعين على هذه السبع بأربع هن أساس بنيانه و بها قوة أركانه، أوّلها الجوع، ثم السهر، ثم الصمت، ثم الخلوة. فهذه الأربع سجن النفس و ضيقها و ضرب النفس و تقييدها بهن يضعف صفاتها و عليهن تحسن معاملاتها و لكل واحدة من الأربع صنعة حسنة في القلب. فأما الجوع فإنه ينقص من دم القلب فيبيضّ و في بياضه نوره و يذيب شحم الفؤاد و في ذوبه رقته و رقته مفتاح كل خير لأن في القسوة مفتاح كل شر و إذا نقص دم القلب ضاق مسلك العدوّ منه لأن دم القلب مكانه فإذا رق القلب ضعف سلطان العدوّ منه لأن في غلظ القلب سلطانه و الفلاسفة يقولون إن النفس كلية الدم و حجتهم في ذلك أن الإنسان إذا مات لم يفقد من جسمه إلا دمه مع روحه. و العلماء منهم قالوا: الدم هو مكان النفس و هذا هو الصحيح لأنه مواطئ لما في التوراة سمعت أن في التوراة مكتوبا: