قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٢ - الفصل السادس و العشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
و قد قال الله تعالى فيما عتب على نبيه صلّى الله عليه و سلم و وعظه و زجره في قوله تعالى: عَبَسَ وَ تَوَلَّى. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى. وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس: ١- ٢- ٣]. يقال إن رسول الله صلّى الله عليه و سلم لم يغتم في عمره كغمه حين أنزل عليه سورة عبس لأن فيها عتبا شديدا على مثله لأنه الحبيب الرشيد و مع ذلك لم يقصده في الخطاب فيكون أيسر للعتاب بل كشف ذلك للمؤمنين و نبّه على فعله عباده المتقين لأن معنى قوله عبس و تولى: أي انظروا أيها المؤمنون، أو اعجبوا إلى الذي عبس و تولى أن جاءه الأعمى. و لذلك روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن بعض المنافقين يؤم قومه فكان لا يقرأ بهم إلا بسورة عبس فأرسل فضرب عنقه يستدل بذلك على كفره ليضع من الرسول صلّى الله عليه و سلم بذلك عنده و عند قومه و مثله قوله عزّ و جلّ عاتبا على رسوله صلّى الله عليه و سلم عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣] و نحوه: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ [التحريم: ١] و بمعناه قوله عزّ و جلّ: وَ تُخْفِي في نَفْسِكَ ما الله مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ الله أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: ٣٧] حتى قالت عائشة رضي الله عنها: لو كتم رسول الله صلّى الله عليه و سلم شيئا من القرآن كتم هذه الآية. و من أعجب ما سمعت في هذا المعنى ما حدثونا ففي الإسرائيليات عن وهب بن منبه اليماني أن سليمان بن داود عليهما السلام لما قبضه الله عزّ و جلّ خلف رجالا من ولده يعمرون بيت المقدس و يعظمونه برهة من الدهر حتى خلفه بعدهم رجل من ولد سليمان فخالف طريقة آبائه و ترك شريعتهم و تكبر في الأرض و طغى و قال بني جدي داود و أبي سليمان مسجدا فما لي لا أبني مسجدا مثل ما بنوا و أدعو الناس إلى شريعتي كما دعوا فبنى مسجدا يضاهي به بيت المقدس و ادعى على الله عزّ و جلّ أنه أمره بذلك و صرف الناس إليه و بذل لهم الأموال و أخرب مسجد بيت المقدس و هجره فدخل الناس في دينه رغبة و رهبة. قال: فابتعث الله نبيّا من بعض أهل القرى فقال: اركب أتانك هذه و أت هؤلاء القوم أحفل ما يكونون فناد في مسجدهم و مجمعهم بأعلى صوتك: يا مسجد الضرار إن الله عزّ و جلّ حلف باسمه ليوحشنك من عمارك و ليقتلنّ أهلك فيك و ليشدخنّهم بخشبك و جندلك و لتلغن الكلاب دماءهم و تأكل لحومهم فيك و ناد في المدينة بأعلى صوتك بمثل ذلك و لا تأكل و لا تشرب و لا تستظل و لا تنزل عن أتانك هذه حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها قال ففعل ذلك فثار الناس إليه يضربونه بالخشب و يشجونه بالحجارة و هو على أتانه لا ينزل عنها فناله على ذلك أذى كثير و ضرب عظيم ثم كرّ راجعا في آخر النهار يؤمّ قريته التي خرج منها و قد أدّى الرسالة و صبر على الضرب و البلاء للَّه عزّ و جلّ فلما كان ببعض الطريق سمع به نبي آخر كان في بعض القرى استقبله و سلم عليه